شروح الحديث

مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح

علي بن سلطان محمد القاري

دار الفكر

سنة النشر: 1422هـ / 2002م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: تسعة أجزاء

مسألة:
848 - وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه ، قال : كنت أقود لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته في السفر ، فقال لي : " يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا ؟ " ، فعلمني قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس ، قال : فلم يرني سررت بهما جدا ، فلما نزل لصلاة الصبح صلى بهما صلاة الصبح للناس ، فلما فرغ ، التفت إلي ، فقال : " يا عقبة ! كيف رأيت ؟ " ، رواه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي .

الحاشية رقم: 1
848 - ( وعن عقبة بن عامر : قال : كنت أقود لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته ) ، أي : أجرها من قدامها لصعوبة تلك الطريق ، أو صعوبة رأسها ، أو شدة الظلام ، ( في السفر فقال لي : " يا عقبة ألا أعلمك خير سورتين قرئتا ؟ ) ، أي : بالنسبة إلى عقبة ، فإنه كان يحتاج إليهما أو في باب التعوذ مع سهولة حفظهما في التعوذ بالله من شر الأشرار خاصة [ ص: 698 ] في السفر ، وإلا فالقرآن كله خير ، ( فعلمني قل أعوذ برب الفلق و قل أعوذ برب الناس : قال الطيبي : أي إذا تقصيت القرآن المجيد إلى آخره سورتين سورتين ما وجدت في باب الاستعاذة خيرا منهما ( قال ) ، أي : عقبة ( فلم يرني ) : أي النبي صلى الله عليه وسلم ( سررت ) : على بناء المفعول أي جعلت مسرورا وفرحا ( بهما جدا ) ، أي : سرورا كثيرا ؛ لأنه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم قط أنه اعتنى بهما وصلى بهما في صلاة ، وقول ابن حجر أصلا في معنى جدا لا وجه له أصلا ( فلما نزل ) : صلى الله عليه وسلم ( لصلاة الصبح صلى بهما صلاة الصبح للناس ) : بحكم عجلة السفر أو مقتضى المقام من الحذر فإن أهل الجاهلية إذا نزلوا منزلا كانوا يقولون : نعوذ بسيد هذا الوادي ، هذا مما خطر ببالي والله أعلم .

( فلما فرغ التفت إلي فقال : " يا عقبة كيف رأيت ؟ ) ، أي : علمت ووجدت عدة هاتين السورتين حيث أقيمتا مقام الطويلتين ، يعني لو لم تكونا عظيمتي القدر لما قرأتهما في الصلاة ، ولم تسدا مسد الطوال ، قال الطيبي : ويمكن أن يقال : إن عقبة ما سر ابتداء لما لم يكشف له خيريتهما ، وما زال منه ما كان هو فيه من الفزع ، ولما صلى بهما كشف له ذلك المعنى ببركة الصلاة ، وأزيل ذلك الخوف ، فمعنى كيف رأيت ، كيف وجدت مصداق قولي خير سورتين قرئتا في باب التعوذ ، فعلى هذا يكون قرئتا صفة مميزة ، قال التوربشتي : أشار عليه السلام إلى الخيرية في الحالة التي كان عقبة عليها ، وذلك أنه كان في سفره ، وقد أظلم عليه الليل ، ورآه مفتقرا إلى تعلم ما يدفع به الويل ، وشر ما أظلم عليه الليل ، فعين السورتين لما فيهما من وجازة اللفظ والاشتمال على المعنى الجامع ، ولم يفهم عقبة المعنى الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم من التخصيص ، فظن أن الخيرية إنما تقع على مقدار السورة وقصرها ؛ ولهذا قال : فلم يرني سررت بهما جدا ، وإنما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بهما ليعرفه أن قراءتهما في الحال المتصف عليها أمثل من قراءة غيرهما ، وتبين له أنهما يسدان مسد الطويلتين اهـ .

وفي جواهر الفقه : يكفر من أنكر المعوذتين من القرآن غير مؤول ، وقال بعض المتأخرين : كفر مطلقا أول أو لم يؤول ، وفي بعض الفتاوى في إنكار المعوذتين من القرآن اختلاف المشايخ ، والصحيح أنه كفر ، كذا في مفتاح السعادة ، وقال ابن حجر : ولكون البسملة من القرآن ظنية لم يكفر إجماعا جاحدها ولا مثبتها ، إذ التكفير لا يكون بالظنيات ، بل وإن قلنا بالقطع لشبهة الخلاف ، كما أن ابن مسعود قال بإنكار قراءة المعوذتين كما جاء عنه ، وقول النووي : إنه كذب عليه رد بأنه صح عنه ، لكنه مؤول بأنه لم ينكر أصل القرآنية ، بل إثباتهما بالمصحف ؛ لأنه يشترط فيما يثبت فيه أمره عليه السلام بإثباته فيه ، وذلك يجري فيما صح عنه أيضا من إسقاط الفاتحة من مصحفه .

قلت : يحمل قول النووي أنه كذب عليه على إنكار أصل القرآنية ، فيكون مقبولا لا مردودا ، وهو الظاهر ، ( رواه أحمد ، وأبو داود ، والنسائي ) : من حديث القاسم ، مولى معاوية ، عن عقبة ، والقاسم هذا أبو عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن القرشي ، وثقه يحيى بن معين وغيره ، وتكلم فيه غير واحد ، قاله ميرك .

السابق

|

| من 42

1998-2014 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة