الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
( 2 ) باب تعجيل الصلوات

الفصل الأول

587 - عن سيار بن سلامة ، قال : دخلت أنا وأبي على أبي برزة الأسلمي ، فقال له أبي : كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة ؟ فقال : كان يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس ، ويصلي‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ العصر‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌ ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية ، ونسيت ما قال في المغرب ، وكان يستحب أن يؤخر الفيء التي تدعونها العتمة ، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها ، وكان ينتقل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ويقرأ بالستين إلى المائة . وفي رواية : ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل ، ولا يحب النوم قبلها والحديث بعدها . متفق عليه .

التالي السابق


( 2 ) باب تعجيل الصلوات

وفى نسخة : الصلاة ، والمراد بها جنس الصلاة المكتوبة ، يعني : أن الأصل في الصلاة تعجيلها والمبادرة إليها ; لقوله تعالى : وسارعوا إلى مغفرة من ربكم ولقوله تعالى : فاستبقوا الخيرات إلا ما خصه الشارع لحكمة اقتضت تأخيرها .

الفصل الأول

587 - ( عن سيار ) : بتشديد الياء التحتية ( بن سلامة ) : بصري تميمي ، من مشاهير التابعين ، سمع أبا هريرة ، وأبا العالية ، وسمع منه عوف ، وشعبة ( قال : دخلت أنا وأبي على أبي برزة ) : بفتح الموحدة ( الأسلمي ) : هو نضلة بن عبيد ( فقال له أبي : كيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي المكتوبة ؟ ) : أي : المفروضة باعتبار أوقاتها ( فقال : كان يصلي الهجير ) : في النهاية : الهجر والهاجر اشتداد الحر في نصف النهار ( التي تدعونها ) : أي : تسمونها . في الفائق : أنث صفة الهجير أعني : الموصول ; لكون الصلاة مرادة ، وقيل : أنثها ؛ لأنها في معنى الهاجرة أو التقدير : صلاة الهجير ، وقيل : الهجير هو صلاة الظهر في لغة بعض العرب ، سمي به ؛ لأنها تصلى في الهاجرة ( الأولى ) : في النهاية لأنها أول صلاة ظهرت وصليت . وقال القاضي : لأنها أول صلاة النهار يعني العرفي ( حين تدحض الشمس ) : بفتح الحاء من : دحضت رحله إذا زلقت ، أي تزول عن وسط السماء إلى جهة [ ص: 525 ] المغرب ؛ لأنها إذا انحطت للزوال كأنها دحضت ، وقال ابن الملك ، وتبعه ابن حجر : غرض الراوي أن يعرف المخاطبين أن الهجير والأولى والظهر واحد ( ويصلي العصر ثم يرجع ) : أي : بعد الصلاة ( أحدنا إلى رحله ) : أي : منزله ( في أقصى المدينة ) : صفة لرحله ، وليس بظرف للفعل . أي : الكائن في أبعد المدينة وآخرها ( والشمس حية ) : الجملة حالية : أي : صافية اللون عن التغيير والاصفرار ، فإن كل شيء ضعفت قوته ، فكأنه قد مات . قال في المفاتيح : حياة الشمس مستعارة عن بقاء لونها وقوة ضوئها وشدة حرها . قال الطيبي : وكأنه جعل المغيب موتها ( ونسيت ) : أي : قال سيار على ما هو الظاهر ، وفي المصابيح : قال عوف ، قيل هو الراوي عن أبي برزة وهو سهو ، إذ هو راو عن سيار ( ما قال ) : أي : أبو برزة ، قاله الطيبي ، وابن حجر ، وعلى ما في المصابيح : ينبغي أن يكون القائل سيارا ( في المغرب ) : أي : في حق صلاته ( وكان ) : أي : النبي صلى الله عليه وسلم وهو عطف على كان يصلي ( يستحب ) : بفتح الياء وكسر الحاء ( أن يؤخر ) : على بناء المعلوم أو المجهول ( العشاء التي تدعونها العتمة ) : قال الخليل : العتمة هي الظلمة التي بعد غيبوبة الشفق ، ذكره الطيبي . قال ابن حجر : فائدة الوصف هنا نظير ما مر في الأول ، ولما يأتي أن الأعراب كانوا لا يعرفونها إلا بالعتمة ، وليس فيهتسمية العشاء عتمة التي هي مكروهة عندنا لخبر مسلم : لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ، ألا إنها العشاء ، الحديث . وتسميتها عتمة في خبر : لو تعلمون ما في الصبح والعتمة لبيان الجواز ، وأن النهي في خبر مسلم المذكور للتنزيه ، أو أنه خاطب به من لا يعرف العشاء ، ولا يكره أن يقال لها العشاء الأخيرة ، وإنكار الأصمعي له غلط فقد صح الحديث به اهـ .

والمستحب تأخيرها إلى ثلث الليل أو نصفه على ما ورد في بعض الأحاديث . ( وكان ) : أي : النبي صلى الله عليه وسلم ( يكره النوم قبلها ) : لخوف الفوت ( والحديث بعدها ) : أي : التحدث بكلام الدنيا ليكون ختم عمله على عبادة ، وآخره ذكر الله ، فإن النوم أخو الموت ، وفي شرح السنة ، أكثرهم على كراهة النوم قبل العشاء ، ورخص بعضهم ، وكان ابن عمر يرقد قبلها ، وبعضهم رخص في رمضان . قال النووي : إذا غلبه النوم لم يكره له إذا لم يخف فوات الوقت ، وأما الحديث ، فقد كرهه جماعة منهم : سعيد بن المسيب . قال : لأن أنام عن العشاء أحب إلي من اللغو بعدها ، ورخص بعضهم التحدث في العلم ، وفيما لا بد منه من الحوائج ومع الأهل والضيف . وروى أحمد في مسنده ، والبزار ، والطبراني ، عن شداد بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من قرض بيت شعر بعد العشاء الأخيرة لم تقبل له صلاة تلك الليلة " وخص ذلك بالشعر المذموم ، وفي خبر أحمد : لا سمر إلا لمصل ومسافر . قال النووي : ومن المحرم قراءة نحو : سيرة البطال ، وعنترة ، وغيرها من الأخبار الكاذبة . وأما الحديث في خير أو لعذر فلا كراهة فيه ( وكان ينفتل ) : أي : ينصرف أو يلتفت إلى المأمومين ( من صلاة الغداة ) : أي : الصبح ( حين يعرف الرجل جليسه ) : أي : مجالسه بجنبه ( ويقرأ ) : أي : في الصبح ( بالستين ) : أي : آية ، والباء زائدة . وقيل : معناه أنه كان يقرأ كذا القدر من الآيات في الصلاة ، وربما يزيد ( إلى المائة ) : قال ابن الملك : وهذا أنسب بمذهب أبي حنيفة .

( وفي رواية ) : أي : للشيخين ( ولا يبالي بتأخير العشاء إلى ثلث الليل ) : بل يستحبه لما تقدم ( ولا يحب النوم قبلها والحديث بعدها . متفق عليه ) : قال ميرك : ورواه أبو داود ، والنسائي ، وابن ماجه .

[ ص: 526 ]



الخدمات العلمية