التاريخ والتراجم

سير أعلام النبلاء

محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

مسألة: الجزء الثاني
أبو موسى الأشعري ( ع )

عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب ، الإمام الكبير [ ص: 381 ] صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أبو موسى الأشعري التميمي الفقيه المقرئ .

حدث عنه : بريدة بن الحصيب ، وأبو أمامة الباهلي ، وأبو سعيد الخدري ، وأنس بن مالك ، وطارق بن شهاب ، وسعيد بن المسيب ، والأسود بن يزيد ، وأبو وائل شقيق بن سلمة ، وزيد بن وهب ، وأبو عثمان النهدي ، وأبو عبد الرحمن النهدي ، ومرذة الطيب ، وربعي بن حراش ، وزهدم بن مضرب ، وخلق سواهم .

وهو معدود فيمن قرأ على النبي - صلى الله عليه وسلم- . أقرأ أهل البصرة ، وفقههم في الدين . قرأ عليه حطان بن عبد الله الرقاشي ، وأبو رجاء العطاردي .

ففي " الصحيحين " ، عن أبي بردة بن أبي موسى ، عن أبيه : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال : اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه ، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما .

وقد استعمله النبي - صلى الله عليه وسلم- ومعاذا على زبيد ، وعدن . وولي إمرة الكوفة [ ص: 382 ] لعمر ، وإمرة البصرة . وقدم ليالي فتح خيبر ، وغزا ، وجاهد مع النبي - صلى الله عليه وسلم- وحمل عنه علما كثيرا .

قال سعيد بن عبد العزيز : حدثني أبو يوسف ، حاجب معاوية : أن أبا موسى الأشعري قدم على معاوية ، فنزل في بعض الدور بدمشق ، فخرج معاوية من الليل ليستمع قراءته .

قال أبو عبيد : أم أبي موسى هي ظبية بنت وهب ; كانت أسلمت ، وماتت بالمدينة .

وقال ابن سعد : حدثنا الهيثم بن عدي ، قال : أسلم أبو موسى بمكة ، وهاجر إلى الحبشة . وأول مشاهده خيبر . ومات سنة اثنتين وأربعين .

قال أبو أحمد الحاكم : أسلم بمكة ، ثم قدم مع أهل السفينتين بعد فتح خيبر بثلاث ، فقسم لهم النبي ، صلى الله عليه وسلم . ولي البصرة لعمر وعثمان ; وولي الكوفة ، وبها مات . [ ص: 383 ]

وقال ابن منده : افتتح أصبهان زمن عمر .

وقال العجلي : بعثه عمر أميرا على البصرة ; فأقرأهم وفقههم ، وهو فتح تستر . ولم يكن في الصحابة أحد أحسن صوتا منه .

قال حسين المعلم : سمعت ابن بريدة يقول : كان الأشعري قصيرا ، أثط ، خفيف الجسم .

وأما الواقدي فقال : حدثنا خالد بن إلياس ، عن أبي بكر بن أبي جهم ، قال : ليس أبو موسى من مهاجرة الحبشة ، ولا حلف له في قريش ، وقد كان أسلم بمكة ، ورجع إلى أرضه ; حتى قدم هو وأناس من الأشعريين على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .

وذكره موسى بن عقبة فيمن هاجر إلى الحبشة .

وروى أبو بردة ، عن أبي موسى ، قال : خرجنا من اليمن في بضع وخمسين من قومي ، ونحن ثلاثة إخوة : أنا ، وأبو رهم ، وأبو عامر . فأخرجتنا سفينتنا إلى النجاشي ، وعنده جعفر وأصحابه ; فأقبلنا حين افتتحت [ ص: 384 ] خيبر ، فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : لكم الهجرة مرتين : هاجرتم إلى النجاشي ، وهاجرتم إلي .

وفي رواية : أنا وأخواي : أبو رهم ، وأبو بردة ، أنا أصغرهم .

أحمد : حدثنا يحيى بن إسحاق : حدثنا يحيى بن أيوب ، عن حميد ، عن أنس ، قال : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : يقدم عليكم غدا قوم هم أرق قلوبا للإسلام منكم ، فقدم الأشعريون ; فلما دنوا جعلوا يرتجزون :

غدا نلقى الأحبه محمدا وحزبه



فلما أن قدموا تصافحوا ، فكانوا أول من أحدث المصافحة .

شعبة ، عن سماك ، عن عياض الأشعري ، قال : لما نزلت : فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : هم قومك يا أبا موسى ، وأومأ إليه .

صححه الحاكم . والأظهر : أن لعياض بن عمرو صحبة ، ولكن رواه جماعة عن شعبة أيضا . ( ح ) وعبد الله بن إدريس ، عن أبيه ، كلاهما عن سماك ، عن عياض ، عن أبي موسى .

بريد ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى قال : لما فرغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم- من حنين ، بعث أبا عامر الأشعري على جيش أوطاس ، فلقي دريد بن [ ص: 385 ] الصمة ، فقتل دريد ، وهزم الله أصحابه ; فرمى رجل أبا عامر في ركبته بسهم ، فأثبته . فقلت : يا عم ، من رماك ؟ فأشار إليه . فقصدت له ، فلحقته ، فلما رآني ، ولى ذاهبا . فجعلت أقول له : ألا تستحي ؟ ألست عربيا ؟ ألا تثبت ؟ قال : فكف ، فالتقيت أنا وهو ، فاختلفنا ضربتين ، فقتلته . ثم رجعت إلى أبي عامر ، فقلت : قد قتل الله صاحبك . قال : فانزع هذا السهم . فنزعته ، فنزا منه الماء . فقال : يابن أخي ، انطلق إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فأقره مني السلام ، وقل له : يستغفر لي . واستخلفني أبو عامر على الناس ، فمكث يسيرا ، ثم مات . فلما قدمنا ، وأخبرت النبي - صلى الله عليه وسلم- توضأ ، ثم رفع يديه ، ثم قال " اللهم اغفر لعبيد أبي عامر " ، حتى رأيت بياض إبطيه . ثم قال : اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك " فقلت : ولي يا رسول الله ؟ فقال : اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه ، وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما .

وبه ، عن أبي موسى ، قال : كنت عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بالجعرانة فأتى أعرابي فقال : ألا تنجز لي ما وعدتني ؟ قال : أبشر . قال : قد أكثرت من البشرى . فأقبل رسول الله علي وعلى بلال ، فقال : إن هذا قد رد البشرى فاقبلا أنتما ، فقالا : قبلنا يا رسول الله . فدعا بقدح ، فغسل يديه [ ص: 386 ] ووجهه فيه ، ومج فيه ، ثم قال : اشربا منه ، وأفرغا على رءوسكما ونحوركما ، ففعلا . فنادت أم سلمة من وراء الستر : أن فضلا لأمكما . فأفضلا لها منه .

مالك بن مغول وغيره ، عن ابن بريدة عن أبيه ، قال : خرجت ليلة من المسجد ، فإذا النبي - صلى الله عليه وسلم- عند باب المسجد قائم ، وإذا رجل يصلي ، فقال لي : يا بريدة ، أتراه يرائي ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : بل هو مؤمن منيب ، لقد أعطي مزمارا من مزامير آل داود . فأتيته ، فإذا هو أبو موسى ; فأخبرته .

أنبئونا عن أحمد بن محمد اللبان وغيره : أن أبا علي الحداد أخبرهم : أخبرنا أبو نعيم : أخبرنا ابن فارس : حدثنا محمد بن عاصم : حدثنا زيد بن الحباب ، عن مالك بن مغول : حدثنا ابن بريدة ، عن أبيه قال : جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد ، وأنا على باب المسجد ، فأخذ بيدي ، فأدخلني المسجد ، فإذا رجل يصلي يدعو ، يقول : اللهم ، إني أسألك ، بأني أشهد أنك الله ، لا إله إلا أنت الأحد الصمد ، الذي لم يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .

قال : والذي نفسي بيده لقد سأل الله باسمه الأعظم ، الذي إذا سئل به أعطى ، وإذا دعي به أجاب ، وإذا رجل يقرأ ، فقال : لقد أعطي هذا مزمارا من مزامير آل داود . قلت : يا رسول الله ، أخبره ؟ قال : نعم ، فأخبرته . فقال لي : لا تزال لي صديقا . وإذا هو أبو موسى
. [ ص: 387 ]

رواه حسين بن واقد ، عن ابن بريدة ، مختصرا .

وروى أبو سلمة ، عن أبي هريرة : أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال : لقد أعطي أبو موسى مزمارا من مزامير آل داود .

خالد بن نافع : حدثنا سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن أبي موسى : أن النبي - صلى الله عليه وسلم- وعائشة مرا به ، وهو يقرأ في بيته ، فاستمعا لقراءته ، فلما أصبح ، أخبره النبي - صلى الله عليه وسلم- فقال : لو أعلم بمكانك لحبرته لك تحبيرا .

خالد ضعف . [ ص: 388 ]

حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس : أن أبا موسى قرأ ليلة ، فقمن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم- يستمعن لقراءته . فلما أصبح ، أخبر بذلك . فقال : لو علمت ، لحبرت تحبيرا ، ولشوقت تشويقا .

الأعمش ، عن عمرو بن مرة ، عن أبي البختري ، قال : أتينا عليا ، فسألناه عن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم- قال : عن أيهم تسألوني ؟ قلنا : عن ابن مسعود . قال : علم القرآن والسنة ، ثم انتهى ، وكفى به علما . قلنا : أبو موسى ؟ قال : صبغ في العلم صبغة ، ثم خرج منه . قلنا : حذيفة ؟ قال : أعلم أصحاب محمد بالمنافقين . قالوا : سلمان ؟ قال : أدرك العلم الأول ، والعلم الآخر ; بحر لا يدرك قعره ، وهو منا أهل البيت . قالوا : أبو ذر ؟ قال : وعى علما عجز عنه . فسئل عن نفسه . قال : كنت إذا سألت أعطيت ، وإذا سكت ابتديت .

أبو إسحاق : سمع الأسود بن يزيد ، قال : لم أر بالكوفة أعلم من علي وأبي موسى .

وقال مسروق : كان القضاء في الصحابة إلى ستة : عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وأبي ، وزيد ، وأبي موسى . [ ص: 389 ]

وقال الشعبي : يؤخذ العلم عن ستة : عمر ، وعبد الله ، وزيد ، يشبه علمهم بعضه بعضا ، وكان علي ، وأبي ، وأبو موسى يشبه علمهم بعضه بعضا ، يقتبس بعضهم من بعض .

وقال داود ، عن الشعبي : قضاة الأمة : عمر ، وعلي ، وزيد ، وأبو موسى .

أسامة بن زيد ، عن صفوان بن سليم قال : لم يكن يفتي في المسجد زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- غير هؤلاء : عمر ، وعلي ، ومعاذ ، وأبي موسى .

قال أبو بردة : قال : إني تعلمت المعجم بعد وفاة النبي - صلى الله عليه وسلم- فكانت كتابتي مثل العقارب .

أيوب ، عن محمد ، قال عمر : بالشام أربعون رجلا ، ما منهم رجل كان يلي أمر الأمة إلا أجزأه ، فأرسل إليهم . فجاء رهط ، فيهم أبو موسى . فقال : إني أرسلك إلى قوم عسكر الشيطان بين أظهرهم . قال : فلا ترسلني . قال : إن بها جهادا ورباطا . فأرسله إلى البصرة .

قال الحسن البصري : ما قدمها راكب خير لأهلها من أبي موسى .

قال ابن شوذب : كان أبو موسى إذا صلى الصبح ، استقبل الصفوف رجلا رجلا يقرئهم . ودخل البصرة على جمل أورق ، وعليه خرج لما [ ص: 390 ] عزل .

قتادة ، عن أنس : بعثني الأشعري إلى عمر ، فقال لي : كيف تركت الأشعري ؟ قلت : تركته يعلم الناس القرآن . فقال : أما إنه كيس ! ولا تسمعها إياه .

قال أبو بردة : كتبت عن أبي أحاديث ، ففطن بي ، فمحاها ، وقال : خذ كما أخذنا .

أبو هلال ، عن قتادة ، قال : بلغ أبا موسى أن ناسا يمنعهم من الجمعة أن ليس لهم ثياب ، فخرج على الناس في عباءة .

قال الزهري : استخلف عثمان ، فنزع أبا موسى عن البصرة ، وأمر عليها عبد الله بن عامر بن كريز .

قال خليفة : ولي أبو موسى البصرة سنة سبع عشرة بعد المغيرة ، فلما افتتح الأهواز استخلف عمران بن حصين بالبصرة . ويقال : افتتحها صلحا ، فوظف عليها عمر عشرة آلاف ألف ، وأربع مائة ألف . [ ص: 391 ]

وقيل : في سنة ثمان عشرة ، افتتح أبو موسى الرها وسميساط وما والاها عنوة .

زهير بن معاوية : حدثنا حميد : حدثنا أنس : أن الهرمزان نزل على حكم عمر من تستر ، فبعث به أبو موسى معي إلى أمير المؤمنين ; فقدمت به . فقال له عمر : تكلم ، لا بأس عليك . فاستحياه ثم أسلم ، وفرض له .

قال ابن إسحاق : سار أبو موسى من نهاوند ، ففتح أصبهان سنة ثلاث وعشرين .

مجالد ، عن الشعبي قال : كتب عمر في وصيته : ألا يقر لي عامل أكثر من سنة ، وأقروا الأشعري أربع سنين .

حميد بن هلال ، عن أبي بردة : سمعت أبي يقسم : ما خرج حين نزع عن البصرة إلا بست مائة درهم .

الزهري ، عن أبي سلمة : كان عمر إذا جلس عنده أبو موسى ، ربما قال له ، ذكرنا يا أبا موسى . فيقرأ . [ ص: 392 ]

وفي رواية تفرد بها رشدين بن سعد : فيقرأ ، ويتلاحن .

وقال ثابت ، عن أنس : قدمنا البصرة مع أبي موسى ، فقام من الليل يتهجد ، فلما أصبح ، قيل له : أصلح الله الأمير! لو رأيت إلى نسوتك وقرابتك وهم يستمعون لقراءتك . فقال : لو علمت لزينت كتاب الله بصوتي ، ولحبرته تحبيرا .

قال أبو عثمان النهدي : ما سمعت مزمارا ولا طنبورا ولا صنجا أحسن من صوت أبي موسى الأشعري ; إن كان ليصلي بنا فنود أنه قرأ البقرة ، من حسن صوته .

هشام بن حسان ، عن واصل مولى أبي عيينة ، عن لقيط ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى ، قال : غزونا في البحر ، فسرنا حتى إذا كنا في لجة البحر ، سمعنا مناديا ينادي : يا أهل السفينة ، قفوا أخبركم . فقمت ، فنظرت يمينا وشمالا ، فلم أر شيئا . حتى نادى سبع مرار . فقلت : ألا ترى في أي مكان نحن ، إنا لا نستطيع أن نقف . فقال : ألا أخبرك بقضاء قضى الله على نفسه : إنه من عطش نفسه لله في يوم حار ، كان حقا على الله أن يرويه يوم القيامة . قال : وكان أبو موسى لا تكاد تلقاه في يوم حار إلا [ ص: 393 ] صائما .

ورواه ابن المبارك في " الزهد " : حدثنا حماد بن سلمة ، عن واصل .

الأعمش ، عن أبي الضحى ، عن مسروق ، قال : خرجنا مع أبي موسى في غزاة ، فجننا الليل في بستان خرب ; فقام أبو موسى يصلي ، وقرأ قراءة حسنة ، وقال : اللهم ، أنت المؤمن تحب المؤمن ، وأنت المهيمن تحب المهيمن ، وأنت السلام تحب السلام .

وروى صالح بن موسى الطلحي ، عن أبيه ، قال : اجتهد الأشعري قبل موته اجتهادا شديدا ، فقيل له : لو أمسكت ورفقت بنفسك ؟ قال : إن الخيل إذا أرسلت فقاربت رأس مجراها ، أخرجت جميع ما عندها ; والذي بقي من أجلي أقل من ذلك .

حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس : أن أبا موسى كان له سراويل يلبسه مخافة أن يتكشف .

الأعمش ، عن شقيق ، قال : كنا مع حذيفة جلوسا ، فدخل عبد الله [ ص: 394 ] وأبو موسى المسجد فقال : أحدهما منافق ، ثم قال : إن أشبه الناس هديا ودلا وسمتا برسول الله - صلى الله عليه وسلم- عبد الله .

قلت : ما أدري ما وجه هذا القول ، سمعه عبد الله بن نمير منه ، ثم يقول الأعمش : حدثناهم بغضب أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم- فاتخذوه دينا .

قال عبد الله بن إدريس : كان الأعمش به ديانة من خشيته .

قلت : رمي الأعمش بيسير تشيع فما أدري .

ولا ريب أن غلاة الشيعة يبغضون أبا موسى - رضي الله عنه - لكونه ما قاتل مع علي ، ثم لما حكمه علي على نفسه عزله وعزل معاوية ، وأشار بابن عمر ، فما انتظم من ذلك حال .

قال ابن سعد : أخبرنا محمد بن عمر : حدثنا عيسى بن علقمة ، عن داود بن الحصين ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : قلت لعلي يوم [ ص: 395 ] الحكمين : لا تحكم الأشعري ; فإن معه رجلا حذرا مرسا قارحا . فلزني إلى جنبه ، فلا يحل عقدة إلا عقدتها ، ولا يعقد عقدة إلا حللتها . قال : يا ابن عباس ، ما أصنع ؟ إنما أوتى من أصحابي ، قد ضعفت نيتهم ، وكلوا . هذا الأشعث يقول : لا يكون فيها مضريان أبدا ، حتى يكون أحدهما يمان . قال ابن عباس : فعذرته ، وعرفت أنه مضطهد .

وعن عكرمة ، قال : حكم معاوية عمرا ، فقال الأحنف لعلي : حكم ابن عباس ، فإنه رجل مجرب . قال : أفعل . فأبت اليمانية ، وقالوا : حتى يكون منا رجل . فجاء ابن عباس إلى علي ، فقال : علام تحكم أبا موسى ، لقد عرفت رأيه فينا ، فوالله ما نصرنا ; وهو يرجو ما نحن فيه ; فتدخله الآن في معاقد أمرنا ، مع أنه ليس بصاحب ذلك فإذا أبيت أن تجعلني مع عمرو ، فاجعل الأحنف بن قيس ; فإنه مجرب من العرب ، وهو قرن لعمرو . فقال : نعم . فأبت اليمانية أيضا . فلما غلب ، جعل أبا موسى .

قال أبو صالح السمان : قال علي : يا أبا موسى ، احكم ولو على حز [ ص: 396 ] عنقي .

زيد بن الحباب : حدثنا سليمان بن المغيرة البكري ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى : أن معاوية كتب إليه : أما بعد : فإن عمرو بن العاص قد بايعني على ما أريد ، وأقسم بالله ، لئن بايعتني على الذي بايعني ، لأستعملن أحد ابنيك على الكوفة ، والآخر على البصرة ; ولا يغلق دونك باب ، ولا تقضى دونك حاجة . وقد كتبت إليك بخطي ، فاكتب إلي بخط يدك .

فكتب إليه : أما بعد : فإنك كتبت إلي في جسيم أمر الأمة ، فماذا أقول لربي إذا قدمت عليه ، ليس لي فيما عرضت من حاجة ، والسلام عليك .

قال أبو بردة : فلما ولي معاوية أتيته ، فما أغلق دوني بابا ، ولا كانت لي حاجة إلا قضيت .

قلت : قد كان أبو موسى صواما قواما ربانيا زاهدا عابدا ، ممن جمع العلم والعمل والجهاد وسلامة الصدر ، لم تغيره الإمارة ، ولا اغتر بالدنيا .

السابق

|

| من 2

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة