شروح الحديث

فتح الباري شرح صحيح البخاري

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني

دارالريان للتراث

سنة النشر: 1407هـ / 1986م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ثلاثة عشرجزءا

الكتب » صحيح البخاري » كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة » باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم

مسألة:
6849 حدثنا آدم بن أبي إياس حدثنا شعبة أخبرنا عمرو بن مرة سمعت مرة الهمداني يقول قال عبد الله إن أحسن الحديث كتاب الله وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها و إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين
الحاشية رقم: 1
الحديث الثالث : قوله : حدثنا عمرو بن مرة ) هو الجملي بفتح الجيم وتخفيف الميم و " مرة " شيخه هو ابن شراحيل ويقال له مرة الطيب بالتشديد وهو الهمداني بسكون الميم ، وليس هو والد عمرو الراوي عنه .

قوله : وأحسن الهدي هدي محمد ) بفتح الهاء وسكون الدال للأكثر ، وللكشميهني بضم الهاء مقصور ومعنى الأول الهيئة والطريقة والثاني ضد الضلال .

قوله : وشر الأمور محدثاتها إلخ ) تقدم هذا الحديث بدون هذه الزيادة في " كتاب الأدب " وذكرت ما يدل على أن البخاري اختصره هناك ومما أنبه عليه هنا قبل شرح هذه الزيادة أن ظاهر سياق هذا الحديث أنه موقوف ، لكن القدر الذي له حكم الرفع منه قوله " وأحسن الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم " فإن فيه إخبارا عن صفة من صفاته صلى الله عليه وسلم وهو أحد أقسام المرفوع وقل من نبه على ذلك ، وهو كالمتفق عليه لتخريج المصنفين المقتصرين على الأحاديث المرفوعة الأحاديث الواردة في شمائله صلى الله عليه وسلم فإن أكثرها يتعلق بصفة خلقه وذاته كوجهه وشعره ، وكذا بصفة خلقه كحلمه وصفحه ، وهذا مندرج في ذلك مع أن الحديث المذكور جاء عن ابن مسعود مصرحا فيه بالرفع من وجه آخر ، أخرجه أصحاب السنن لكن ليس هو على شرط البخاري ، وأخرجه مسلم من حديث جابر مرفوعا أيضا بزيادة فيه ، وليس هو على شرطه أيضا ، وقد بينت ذلك في " كتاب الأدب " في باب الهدي الصالح ، و " المحدثات " بفتح الدال جمع محدثة والمراد بها ما أحدث ، وليس له أصل في الشرع ويسمى في عرف الشرع " بدعة " وما كان له أصل يدل عليه الشرع فليس ببدعة ، فالبدعة في عرف الشرع مذمومة بخلاف اللغة فإن كل شيء أحدث على غير مثال يسمى بدعة [ ص: 267 ] سواء كان محمودا أو مذموما ، وكذا القول في المحدثة وفي الأمر المحدث الذي ورد في حديث عائشة من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد كما تقدم شرحه ومضى بيان ذلك قريبا في " كتاب الأحكام " وقد وقع في حديث جابر المشار إليه وكل بدعة ضلالة وفي حديث العرباض بن سارية وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة وهو حديث أوله وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة فذكره وفيه هذا أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه ابن ماجه وابن حبان والحاكم ، وهذا الحديث في المعنى قريب من حديث عائشة المشار إليه وهو من جوامع الكلم قال الشافعي " البدعة بدعتان : محمودة ومذمومة ، فما وافق السنة فهو محمود وما خالفها فهو مذموم " أخرجه أبو نعيم بمعناه من طريق إبراهيم بن الجنيد عن الشافعي ، وجاء عن الشافعي أيضا ما أخرجه البيهقي في مناقبه قال " المحدثات ضربان ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو أثرا أو إجماعا فهذه بدعة الضلال ، وما أحدث من الخير لا يخالف شيئا من ذلك فهذه محدثة غير مذمومة " انتهى . وقسم بعض العلماء البدعة إلى الأحكام الخمسة وهو واضح ، وثبت عن ابن مسعود أنه قال : قد أصبحتم على الفطرة وإنكم ستحدثون ويحدث لكم فإذا رأيتم محدثة فعليكم بالهدي الأول ، فمما حدث تدوين الحديث ثم تفسير القرآن ثم تدوين المسائل الفقهية المولدة عن الرأي المحض ثم تدوين ما يتعلق بأعمال القلوب ، فأما الأول فأنكره عمر وأبو موسى وطائفة ورخص فيه الأكثرون وأما الثاني فأنكره جماعة من التابعين كالشعبي ، وأما الثالث فأنكره الإمام أحمد وطائفة يسيرة ، وكذا اشتد إنكار أحمد للذي بعده ، ومما حدث أيضا تدوين القول في أصول الديانات فتصدى لها المثبتة والنفاة ، فبالغ الأول حتى شبه وبالغ الثاني حتى عطل ، واشتد إنكار السلف لذلك كأبي حنيفة وأبي يوسف والشافعي ، وكلامهم في ذم أهل الكلام مشهور ، وسببه أنهم تكلموا فيما سكت عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وثبت عن مالك أنه لم يكن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وعمر شيء من الأهواء - يعني بدع الخوارج والروافض والقدرية - وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم ، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان ، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلا يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرها ، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل ، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل ، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف ، وإن لم يكن له منه بد فليكتف منه بقدر الحاجة ، ويجعل الأول المقصود بالأصالة والله الموفق . وقد أخرج أحمد بسند جيد عن غضيف بن الحارث قال بعث إلي عبد الملك بن مروان فقال : إنا قد جمعنا الناس على رفع الأيدي على المنبر يوم الجمعة ، وعلى القصص بعد الصبح والعصر ، فقال : أما إنهما أمثل بدعكم عندي ولست بمجيبكم إلى شيء منهما لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما أحدث قوم بدعة إلا رفع من السنة مثلها ; فتمسك بسنة خير من إحداث بدعة ، انتهى . وإذا كان هذا جواب هذا الصحابي في أمر له أصل في السنة فما ظنك بما لا أصل له فيها ، فكيف بما يشتمل على ما يخالفها . وقد مضى في " كتاب العلم " أن ابن مسعود كان يذكر الصحابة كل خميس لئلا يملوا ومضى في " كتاب الرقاق " أن ابن عباس قال : حدث الناس كل جمعة فإن أبيت فمرتين ، ونحوه وصية عائشة لعبيد بن عمير ، والمراد بالقصص التذكير والموعظة ، وقد كان ذلك في عهد النبي صلى الله عليه وسلم لكن لم يكن يجعله راتبا كخطبة الجمعة بل بحسب الحاجة ، وأما قوله في حديث العرباض فإن كل بدعة ضلالة بعد قوله وإياكم ومحدثات الأمور فإنه يدل على أن المحدث يسمى بدعة وقوله : كل بدعة ضلالة قاعدة شرعية كلية بمنطوقها ومفهومها ، أما منطوقها فكأن يقال " حكم كذا بدعة وكل بدعة ضلالة " فلا تكون [ ص: 268 ] من الشرع لأن الشرع كله هدى ، فإن ثبت أن الحكم المذكور بدعة صحت المقدمتان ، وأنتجتا المطلوب ، والمراد بقوله كل بدعة ضلالة ما أحدث ولا دليل له من الشرع بطريق خاص ولا عام . وقوله في آخر حديث ابن مسعود إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين أراد ختم موعظته بشيء من القرآن يناسب الحال . وقال ابن عبد السلام في أواخر " القواعد : البدعة خمسة أقسام " فالواجبة " كالاشتغال بالنحو الذي يفهم به كلام الله ورسوله لأن حفظ الشريعة واجب ، ولا يتأتى إلا بذلك فيكون من مقدمة الواجب ، وكذا شرح الغريب وتدوين أصول الفقه والتوصل إلى تمييز الصحيح والسقيم " والمحرمة " ما رتبه من خالف السنة من القدرية والمرجئة والمشبهة " والمندوبة " كل إحسان لم يعهد عينه في العهد النبوي كالاجتماع على التراويح وبناء المدارس والربط والكلام في التصوف المحمود وعقد مجالس المناظرة إن أريد بذلك وجه الله " والمباحة " كالمصافحة عقب صلاة الصبح والعصر ، والتوسع في المستلذات من أكل وشرب وملبس ومسكن . وقد يكون بعض ذلك مكروها أو خلاف الأولى والله أعلم .

السابق

|

| من 12

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة