شروح الحديث

فتح الباري شرح صحيح البخاري

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني

دارالريان للتراث

سنة النشر: 1407هـ / 1986م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ثلاثة عشرجزءا

الكتب » صحيح البخاري » كتاب فضائل الصحابة » باب مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشي العدوي رضي الله عنه

مسألة:
3486 حدثنا يحيى بن قزعة حدثنا إبراهيم بن سعد عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد كان فيما قبلكم من الأمم محدثون فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر زاد زكرياء بن أبي زائدة عن سعد عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال النبي صلى الله عليه وسلم لقد كان فيمن كان قبلكم من بني إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء فإن يكن من أمتي منهم أحد فعمر قال ابن عباس رضي الله عنهما من نبي ولا محدث
الحاشية رقم: 1
قوله : ( عن أبي هريرة ) كذا قال أصحاب إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه عن أبي سلمة ، وخالفهم ابن وهب فقال " عن إبراهيم بن سعد بهذا الإسناد عن أبي سلمة عن عائشة " قال أبو مسعود : لا أعلم أحدا تابع ابن وهب على هذا ، والمعروف عن إبراهيم بن سعد أنه عن أبي هريرة لا عن عائشة ، وتابعه زكريا بن أبي زائدة عن إبراهيم بن سعد يعني كما ذكره المصنف معلقا هنا ، وقال محمد بن عجلان : [ ص: 62 ] " عن سعد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن عائشة " أخرجه مسلم والترمذي والنسائي ، قال أبو مسعود : وهو مشهور عن ابن عجلان ، فكأن أبا سلمة سمعه من عائشة ومن أبي هريرة جميعا . قلت : وله أصل من حديث عائشة أخرجه ابن سعد من طريق ابن أبي عتيق عنها ، وأخرجه من حديث خفاف بن إيماء أنه كان يصلي مع عبد الرحمن بن عوف فإذا خطب عمر سمعه يقول : أشهد أنك مكلم .

قوله : ( محدثون ) بفتح الدال جمع محدث ، واختلف في تأويله فقيل : ملهم . قاله الأكثر ، قالوا : المحدث بالفتح هو الرجل الصادق الظن ، وهو من ألقي في روعه شيء من قبل الملأ الأعلى فيكون كالذي حدثه غيره به ، وبهذا جزم أبو أحمد العسكري . وقيل : من يجري الصواب على لسانه من غير قصد ، وقيل : مكلم أي تكلمه الملائكة بغير نبوة ، وهذا ورد من حديث أبي سعيد الخدري مرفوعا ولفظه قيل : يا رسول الله ، وكيف يحدث ؟ قال : تتكلم الملائكة على لسانه رويناه في " فوائد الجوهري " وحكاه القابسي وآخرون ، ويؤيده ما ثبت في الرواية المعلقة . ويحتمل رده إلى المعنى الأول أي تكلمه في نفسه وإن لم ير مكلما في الحقيقة فيرجع إلى الإلهام ، وفسره ابن التين بالتفرس ، ووقع في مسند " الحميدي " عقب حديث عائشة " المحدث : الملهم بالصواب الذي يلقى على فيه " وعند مسلم من رواية ابن وهب " ملهمون ، وهي الإصابة بغير نبوة " وفي رواية الترمذي عن بعض أصحاب ابن عيينة " محدثون يعني مفهمون " وفي رواية الإسماعيلي " قال إبراهيم - يعني ابن سعد راويه - قوله : محدث أي يلقى في روعه " انتهى ، ويؤيده حديث إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر ، وأحمد من حديث أبي هريرة ، والطبراني من حديث بلال ، وأخرجه في " الأوسط " من حديث معاوية وفي حديث أبي ذر عند أحمد وأبي داود " يقول به " بدل قوله " وقلبه " وصححه الحاكم ، وكذا أخرجه الطبراني في " الأوسط " من حديث عمر نفسه .

قوله : ( زاد زكريا بن أبي زائدة عن سعد ) هو ابن إبراهيم المذكور ، وفي روايته زيادتان : إحداهما بيان كونهم من بني إسرائيل ، والثانية تفسير المراد بالمحدث في رواية غيره فإنه قال بدلها " يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء " .

قوله : ( منهم أحد ) في رواية الكشميهني " من أحد " ورواية زكريا وصلها الإسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما ، وقوله : " وإن يك في أمتي " قيل : لم يورد هذا القول مورد الترديد فإن أمته أفضل الأمم ، وإذا ثبت أن ذلك وجد في غيرهم فإمكان وجوده فيهم أولى ، وإنما أورده مورد التأكيد كما يقول الرجل : إن يكن لي صديق فإنه فلان ، يريد اختصاصه بكمال الصداقة لا نفي الأصدقاء ، ونحوه قول الأجير : إن كنت عملت لك فوفني حقي ، وكلاهما عالم بالعمل لكن مراد القائل أن تأخيرك حقي عمل من عنده شك في كوني عملت . وقيل : الحكمة فيه أن وجودهم في بني إسرائيل كان قد تحقق وقوعه ، وسبب ذلك احتياجهم حيث لا يكون حينئذ فيهم نبي ، واحتمل عنده - صلى الله عليه وسلم - أن لا تحتاج هذه الأمة إلى ذلك لاستغنائها بالقرآن عن حدوث نبي ، وقد وقع الأمر كذلك حتى إن المحدث منهم إذا تحقق وجوده لا يحكم بما وقع له بل لا بد له من عرضه على القرآن ، [ ص: 63 ] فإن وافقه أو وافق السنة عمل به وإلا تركه ، وهذا وإن جاز أن يقع لكنه نادر ممن يكون أمره منهم مبنيا على اتباع الكتاب والسنة ، وتمحضت الحكمة في وجودهم وكثرتهم بعد العصر الأول في زيادة شرف هذه الأمة بوجود أمثالهم فيه ، وقد تكون الحكمة في تكثيرهم مضاهاة بني إسرائيل في كثرة الأنبياء فيهم ، فلما فات هذه الأمة كثرة الأنبياء فيها لكون نبيها خاتم الأنبياء عوضوا بكثرة الملهمين . وقال الطيبي : المراد بالمحدث الملهم البالغ في ذلك مبلغ النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصدق ، والمعنى لقد كان فيما قبلكم من الأمم أنبياء ملهمون ، فإن يك في أمتي أحد هذا شأنه فهو عمر ، فكأنه جعله في انقطاع قرينه في ذلك هل نبي أم لا [1] فلذلك أتى بلفظ " إن " ويؤيده حديث لو كان بعدي نبي لكان عمر فـ " لو " فيه بمنزلة إن في الآخر على سبيل الفرض والتقدير ، انتهى . والحديث المشار إليه أخرجه أحمد والترمذي وحسنه ، وابن حبان والحاكم من حديث عقبة بن عامر ، وأخرجه الطبراني في " الأوسط " من حديث أبي سعيد ، ولكن في تقرير الطيبي نظر ; لأنه وقع في نفس الحديث " من غير أن يكونوا أنبياء " ولا يتم مراده إلا بفرض أنهم كانوا أنبياء .

قوله : ( قال ابن عباس : من نبي ولا محدث ) أي في قوله تعالى : وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى الآية ، كأن ابن عباس زاد فيها ولا محدث أخرجه سفيان بن عيينة في أواخر جامعه ، وأخرجه عبد بن حميد من طريقه وإسناده إلى ابن عباس صحيح ، ولفظه عن عمرو بن دينار قال " كان ابن عباس يقرأ : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي ولا محدث ) . والسبب في تخصيص عمر بالذكر لكثرة ما وقع له في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الموافقات التي نزل القرآن مطابقا لها ، ووقع له بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - عدة إصابات .

السابق

|

| من 16

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة