شروح الحديث

فتح الباري شرح صحيح البخاري

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني

دارالريان للتراث

سنة النشر: 1407هـ / 1986م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ثلاثة عشرجزءا

الكتب » صحيح البخاري » كتاب أحاديث الأنبياء » باب ما ذكر عن بني إسرائيل

مسألة:
3274 حدثنا أبو عاصم الضحاك بن مخلد أخبرنا الأوزاعي حدثنا حسان بن عطية عن أبي كبشة عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار
الحاشية رقم: 1
الحديث التاسع قوله : ( عن أبي كبشة السلولي ) تقدم ذكره في كتاب الهبة في حديث آخر ، وليس له في البخاري سوى هذين الحديثين .

قوله : ( بلغوا عني ولو آية ) قال المعافى النهرواني في " كتاب الجليس " له الآية في اللغة تطلق على ثلاثة معان : العلامة الفاصلة ، والأعجوبة الحاصلة ، والبلية النازلة . فمن الأول قوله تعالى : آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا ومن الثاني إن في ذلك لآية ومن الثالث جعل الأمير فلانا اليوم آية . ويجمع بين هذه المعاني الثلاثة أنه قيل لها آية لدلالتها وفصلها وإبانتها . وقال في الحديث " ولو آية " أي واحدة ليسارع كل سامع إلى تبليغ ما وقع له من الآي ولو قل ليتصل بذلك نقل جميع ما جاء به صلى الله عليه وسلم . اهـ كلامه .

قوله : ( وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ) أي لا ضيق عليكم في الحديث عنهم لأنه كان تقدم منه صلى الله عليه وسلم الزجر عن الأخذ عنهم والنظر في كتبهم ، ثم حصل التوسع في ذلك ، وكأن النهي وقع قبل استقرار الأحكام الإسلامية والقواعد الدينية خشية الفتنة ، ثم لما زال المحذور وقع الإذن في ذلك لما في سماع الأخبار التي كانت في زمانهم من الاعتبار ، وقيل : معنى قوله " لا حرج " : لا تضيق صدوركم بما تسمعونه عنهم من الأعاجيب فإن ذلك وقع لهم كثيرا ، وقيل : لا حرج في أن لا تحدثوا عنهم لأن قوله أولا : " حدثوا " صيغة أمر تقتضي الوجوب فأشار إلى عدم الوجوب وأن الأمر فيه للإباحة بقوله : " ولا حرج " أي في ترك التحديث عنهم . وقيل : المراد رفع الحرج عن حاكي ذلك لما في أخبارهم من الألفاظ الشنيعة نحو قولهم اذهب أنت وربك فقاتلا وقولهم : اجعل لنا إلها وقيل : المراد ببني إسرائيل أولاد إسرائيل نفسه وهم أولاد يعقوب ، والمراد حدثوا عنهم بقصتهم مع أخيهم يوسف ، وهذا أبعد الأوجه .

وقال مالك المراد جواز التحدث عنهم بما كان من أمر حسن ، أما ما علم كذبه فلا . وقيل المعنى حدثوا عنهم بمثل ما ورد في القرآن والحديث الصحيح . وقيل المراد جواز التحدث عنهم بأي صورة وقعت من انقطاع أو بلاغ لتعذر الاتصال في التحدث عنهم ، بخلاف الأحكام الإسلامية فإن الأصل في التحدث بها الاتصال ، ولا يتعذر ذلك لقرب العهد . وقال الشافعي : من المعلوم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يجيز التحدث بالكذب ، فالمعنى حدثوا عن بني إسرائيل بما لا تعلمون كذبه ، وأما ما تجوزونه فلا حرج عليكم في التحدث به عنهم [ ص: 576 ] وهو نظير قوله : إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم ولم يرد الإذن ولا المنع من التحدث بما يقطع بصدقه .

قوله : ( ومن كذب علي متعمدا ) تقدم شرحه مستوفى في كتاب العلم ، وذكرت عدد من رواه وصفة مخارجه بما يغني عن الإعادة . وقد اتفق العلماء على تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنه من الكبائر ، حتى بالغ الشيخ أبو محمد الجويني فحكم بكفر من وقع منه ذلك ، وكلام القاضي أبي بكر بن العربي يميل إليه . وجهل من قال من الكرامية وبعض المتزهدة إن الكذب على النبي صلى الله عليه وسلم يجوز فيما يتعلق بتقوية أمر الدين وطريقة أهل السنة والترغيب والترهيب ، واعتلوا بأن الوعيد ورد في حق من كذب عليه لا في الكذب له ، وهو اعتلال باطل ; لأن المراد بالوعيد من نقل عنه الكذب سواء كان له أو عليه ، والدين بحمد الله كامل غير محتاج إلى تقويته بالكذب .

السابق

|

| من 11

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة