فروع الفقه الشافعي

تحفة المحتاج في شرح المنهاج

أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي

دار إحياء التراث العربي

سنة النشر: -
رقم الطبعة: د.ط : د.ت
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء الأول
( للتفقه ) أي التفهم وأخذ الفقه تدريجا وهو أعني الفقه لغة الفهم من فقه بكسر عينه فإن صار الفقه سجية له قيل فقه بضمها ، واصطلاحا العلم بالأحكام الشرعية العملية الناشئة عن الاجتهاد وموضوعه فعل المكلف من حيث تعاور تلك الأحكام عليه واستمداده من الأدلة المجمع عليها الكتاب والسنة والإجماع والقياس والمختلف فيها كالاستصحاب ومسائله كل مطلوب خبري يبرهن عليه في العلم وفائدته امتثال الأوامر واجتناب النواهي وغايته انتظام أمر المعاش والمعاد مع الفوز بكل خير دنيوي وأخروي ( في الدين ) وهو عرفا وضع إلهي [ ص: 21 ] سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى ما هو خير لهم بالذات ، وقد يفسر بما شرع من الأحكام ويساويه الملة ماصدقا كالشريعة لأنها من حيث إنها يدان أي يخضع لها تسمى دينا ومن حيث إنها يجتمع عليها وتملى أحكامها تسمى ملة ومن حيث إنها تقصد لإنقاذ النفوس من مهلكاتها تسمى شريعة ( من ) مفعول أول للموفق المتعدي للثاني باللام ( لطف به ) أي أراد له الخير وسهله عليه لكونه من عليه بفهم تام ومعلم ناصح وشدة الاعتناء بالطلب ودوامه ( واختاره ) أي انتقاه للطفه وتوفيقه ( من العباد ) يصح أن يكون بيانا لمن فأل فيه للعهد والمعهود { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } .

وشاهد ذلك الحديث الصحيح { من يرد الله به خيرا أي عظيما يفقهه في الدين } وفي رواية { ويلهمه رشده } ومفعولا ثانيا لاختار فأل فيه للجنس والعبد لغة الإنسان واصطلاحا المكلف ولو ملكا أو جنيا ( أحمده ) أي أصفه بجميع صفاته إذ كل منها جميل ورعاية جميعها أبلغ في التعظيم ومع هذا التحقيق أن الحمد الأول أبلغ وأفضل ومن ثم قدم [ ص: 22 ] بل أخذ البلقيني من إيثار القرآن { الحمد لله رب العالمين } بالابتداء به أنه أبلغ صيغ الحمد وجمع بينهما تأسيا بحديث { إن الحمد لله نحمده } وليجمع بين ما يدل على دوامه واستمراره ، وهو الأول وعلى تجدده وحدوثه وهو الثاني ( أبلغ حمد ) أي أنهاه من حيث الإجمال لا التفصيل لعجز الخلق عنه حتى الرسل حتى أكملهم نبينا صلى الله عليه وسلم حيث قال { لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك } ( وأكمله ) أي أتمه ورد بأنه إطناب فقط كالذي بعده وبأن التمام غير الكمال كما يومئ إليه { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي } فالإتمام لإزالة نقص الأصل والإكمال لإزالة نقص العوارض مع تمام الأصل .

ومن ثم قال تعالى { تلك عشرة كاملة } لأن التمام في العدد قد علم وإنما بقي احتمال نقص بعض صفاته ويرد بأن هذا إنما يتصور في الماهيات الحسية لا الاعتبارية كماهية الحمد وبأن الإكمال في الآية للدين والإتمام للنعمة التي من جملتها ذلك الإكمال والنصر العام على كل منافق ومعاند فلم يتعاورا على شيء واحد فاتجه أنهما فيه بمعنى واحد [ ص: 23 ] وبأن التمام يشعر بسبق نقص بخلاف الكمال ، ويرد بفرض تسليمه بنحو ما قبله ( وأزكاه ) أنماه ( وأشمله ) أعمه

الحاشية رقم: 1
حاشية ابن قاسم

( قوله أي التفهم إلخ ) المتبادر منه حمل التفقه على معنى تفهم الفقه فلا يناسب ما ذكره من تفسيره لغة واصطلاحا إذ لا يتفهم الفهم ولا العلم بالأحكام بل نفس الأحكام ( قوله واصطلاحا العلم إلخ ) يرد عليه أنه شامل لعلم المقلد بالأحكام المذكورة مع أنه ليس فقها كما صرحوا به في الأصول فلو عبر بقوله الناشئ ليكون صفة للعلم بدل الناشئة الواقع صفة للأحكام لخرج علم المقلد اللهم إلا أن يقال هذا التعريف بناء على أن الفقهاء قد يطلقون الفقه على ما يشمل علم المقلد فليتأمل .

( قوله فعل المكلف ) أي بالمعنى الشامل لقوله بل ونيته واعتقاده ( قوله في الدين ) متعلق بالتفقه وقضيته أن يراد به مجرد التفهم كما يقتضيه تفسير الشارح لئلا يلزم التكرار لأن الفقه من الدين ( قوله وهو عرفا وضع إلخ ) عبارة السيد في حواشي العضد وأما الدين فهو وضع إلهي سائق لأولي الألباب باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات [ ص: 21 ] ويتناول الأصول والفروع وقد يخص بالفروع والإسلام هو هذا الدين المنسوب إلى محمد صلى الله عليه وسلم المشتمل على العقائد الصحيحة والأعمال الصالحة وفي بعض الحواشي عليها لبعضهم احترز بقوله إلهي عن الأوضاع البشرية نحو الرسوم السياسية والتدبيرات المعاشية ، وقوله سائق لذوي الألباب احتراز عن الأوضاع الطبيعية التي يهتدي بها الحيوانات لخصائص منافعها ومضارها وقوله باختيارهم المحمود عن المعاني الاتفاقية والأوضاع القسرية وقوله إلى ما هو خير لهم بالذات عن نحو صناعتي الطب والفلاحة فإنهما وإن تعلقتا بالوضع الإلهي أعني تأثير الأجسام العلوية والسفلية وكانتا سائقتين لأولي الألباب باختيارهم المحمود إلى صنف من الخير فليستا تؤديانهم إلى الخير المطلق الذاتي أعني ما يكون خيرا بالقياس إلى كل شيء ، وهو السعادة الأبدية والقرب إلى خالق البرية انتهى .

( قوله المتعدي للثاني ) أعني التفقه ( قوله وسهله ) قد ينبغي تركه فليتأمل ( قوله أي انتفاء للطفه ) أي أو للتفقه ( قوله فأل فيه للجنس ) أي ومن للتبعيض ( قوله التحقيق أن الحمد الأول أبلغ إلخ ) خالفهالشارح المحقق في شرح جمع الجوامع ، وبين أن الثاني أبلغ وبسطنا [ ص: 22 ] في كتابنا الآيات البينات تأييده ورد خلافه وما اعترضوا به عليه بما لا يمتري فيه العاقل الفاضل بل يتحقق له منه أن زعم أبلغية الأول منشؤه عدم إمعان التأمل وعدم فهم معنى الحمدين على وجهه فراجعه ( قوله أبلغ حمد ) ينبغي أنه على وجه المبالغة وإلا فإن أراد أبلغ الحمد مطلقا فهو غير مطابق للواقع إذ حمد الأنبياء من حيث الإجمال خصوصا حمد سيدهم صلى الله عليه وسلم وعليهم أبلغ من حمد المصنف لأنهم يقدرون من إجمالات الحمد على ما لا يقدر عليه المصنف ، وإن أراد حمدا ما فليس فيه كبيرا مر فتأمل ( قوله ورد ) أي تفسير الكمال بالتمام ( قوله إنما يتصور في الماهيات الحسية ) لك منع هذا الحصر ثم إن أراد بحسية الماهيات حسيتها في نفسها فلا شيء منها بحسي ؛ لأنها كليات والكليات لا تحس وإن أراد به حسيتها بحسية أفرادها الموجودة هي فيها في الخارج فماهية الحمد كذلك لأن له أفرادا في الخارج فإن كانت أقوالا فهي محسوسة بالسمع أو أفعالا فبالبصر ، وأيضا إن أراد بالاعتباري الاصطلاحي فالاصطلاحي لا ينافي المحسوس ، وإن أراد به ماله تحقق في نفس الأمر مع قطع النظر عن اعتبار معتبر لكنه ليس له وجود في الخارج أو ما يكون تحققه باعتبارنا ولو قطع النظر عن اعتبارنا لا يكون له تحقق فلا نسلم أن ماهية الحمد كذلك أما على الثاني فظاهر .

وأما على الأول فلتحققها في الخارج بتحقق أفرادها ( قوله فلم يتعاورا ) هذا قد لا يمنع ما ذكر وقوله فاتجه أنهما فيه كان [ ص: 23 ] المراد في المذكور من الآية وقوله ويرد بفرض إلخ فيه ما فيه


الحـــواشي 1  2  
السابق

|

| من 24

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة