فروع الفقه الشافعي

تحفة المحتاج في شرح المنهاج

أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي

دار إحياء التراث العربي

سنة النشر: -
رقم الطبعة: د.ط : د.ت
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء الثاني
( ويسن الإنصات ) أي السكوت مع الإصغاء لما لا يجب سماعه بخلاف ما لو كان من الحاضرين أربعون تلزمهم فقط فيحرم على بعضهم كلام فوته سماع ركن كما علم من وجوب الاستماع لتسببه إلى إبطال الجمعة ويسن ذلك ، وإن لم يسمع الخطبة خروجا من الخلاف . نعم الأولى لغير السامع أن يشتغل بالتلاوة والذكر سرا لئلا يشوش على غيره ولا يكره الكلام لمن أبيح له قطعا ممن ذكر وغيره ككونه قبل الخطبة أو بعدها أو بينهما ، ولو لغير حاجة على الأوجه وتقييده بالحاجة فيه نظر ؛ لأنه عندها لا كراهة ، وإن لم يبح له قطعا كما هو ظاهر ويكره للداخل أن يسلم أي ، وإن لم يأخذ لنفسه مكانا لاشتغال المسلم عليهم

فإن سلم لزمهم الرد ؛ لأن الكراهة لأمر خارج ويسن تشميت العاطس والرد عليه ؛ لأن سببه قهري ورفع الصوت من غير مبالغة بالصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم عند ذكر الخطيب له [ ص: 455 ] وصلاة ركعتين بنية التحية وهو الأولى أو راتبة الجمعة القبلية إن لم يكن صلاها وحينئذ الأولى نية التحية معها ، فإن أراد الاقتصار فالأولى فيما يظهر نية التحية لأنها تفوت بفواتها بالكلية إذا لم تنو بخلاف الراتبة القبلية للداخل ، فإن نوى أكثر منهما أو صلاة أخرى بقدرهما لم تنعقد ، فإن قلت يلزم على ما تقرر أن نية ركعتين فقط جائزة بخلاف نية ركعتين سنة الصبح مثلا مع استوائهما في حصول التحية بهما بالمعنى السابق في بابها قلت يفرق بأن نية ركعتين فقط ليس فيه صرف عن التحية بالنية بخلاف نية سبب آخر فأبيح الأول دون الثاني [ ص: 456 ] ويلزمه أن يقتصر فيهما على أقل مجزئ على الأوجه وأن يخفف صلاة طرأ جلوس الإمام على المنبر قبل الخطبة في أثنائها بأن يقتصر على ذلك بناء على ما قبله

ويؤخذ من عدم اغتفارهم في الدوام هنا ما اغتفر في الابتداء أنه لو طولها هنا أو في التي قبلها زيادة على أقل المجزئ بطلت وهو محتمل ؛ لأن الحرمة هنا عند القائلين بها ذاتية ويحرم إجماعا على ما حكاه الماوردي على جالس أي من لم تسن له التحية كما هو ظاهر ، وإن لم يسمع ، ولو لم تلزمه الجمعة ، وإن كان بغير محلها ، وقد نواها معهم بمحله ، وإن حال مانع الاقتداء الآن فيما يظهر في الكل بعد جلوس الإمام على المنبر صلاة فرض ، ولو فائتة تذكرها الآن ، وإن لزمته فورا أو نفل [ ص: 457 ] ولو في حال الدعاء للسلطان ولا تنعقد لا طواف وسجدة تلاوة أو شكر فيما يظهر فيهما أخذا من تعليلهم حرمة الصلاة بأن فيها إعراضا عن الخطيب بالكلية .

( فرع ) كتابة الحفائظ آخر جمعة من رمضان بدعة منكرة كما قاله القمولي لما فيها من تفويت سماع الخطبة والوقت الشريف فيما لم يحفظ عمن يقتدى به ومن اللفظ المجهول وهو كعسلهون أي وقد جزم أئمتنا وغيره بحرمة كتابة وقراءة الكلمات الأعجمية التي لا يعرف معناها وقول بعضهم أنها حية محيطة بالعرش رأسها على ذنبها لا يعول عليه ؛ لأن مثل ذلك لا مدخل للرأي فيه فلا يقبل منه إلا ما ثبت عن معصوم على أنها بهذا المعنى لا تلائم ما قبلها في الحفيظة وهو لا آلاء إلا آلاؤك يا الله كعسلهون بل هذا اللفظ في غاية الإيهام ومن ثم قيل : إنها اسم صنم أدخلها ملحد على جهلة العوام وكان بعضهم أراد دفع ذلك الإيهام فزاد بعد الجلالة محيط به علمك كعسهلون أي كإحاطة تلك الحية بالعرش و هو غفلة عما تقرر أن هذا لا يقبل فيه إلا ما صح عن معصوم وأقبح من ذلك ما اعتيد في بعض البلاد من صلاة الخمس في هذه الجمعة عقب صلاتها زاعمين أنها تكفر صلوات العام أو العمر المتروكة وذلك حرام أو كفر لوجوه لا تخفى ( قلت الأصح أن ترتيب الأركان ليس بشرط والله أعلم ) لأن تركه لا يخل بالمقصود الذي هو الوعظ لكنه يندب خروجا من الخلاف ( والأظهر اشتراط الموالاة ) بين أركانهما وبينهما وبين الصلاة بأن لا يفصل طويلا عرفا بما لا تعلق له بما هو فيه فيما يظهر من نظائره ، ثم رأيت بعضهم فصل فيما إذا أطال القراءة بين أن يكون فيها وعظ فلا يقطع وأن لا فيقطع وبعضهم أطلق القطع وهو غفلة عن كونه صلى الله عليه وسلم { كان يقرأ ق في خطبته } ومر اختلال الموالاة بين المجموعتين بفعل ركعتين بأقل مجزئ فلا يبعد الضبط بهذا هنا ويكون بيانا للعرف ، ثم رأيتهم عبروا بأن الخطبة والصلاة مشبهتان بصلاتي الجمع وهو صريح فيما ذكرته ومر في مسائل الانفضاض ما يؤيد ذلك [ ص: 458 ] لعموم هذا لما قررته لم يكتف عنه بما مر في مسألة الانفضاض فاندفع قول جمع هذا مكرر .

الحاشية رقم: 1
حاشية ابن قاسم

( قوله : وتقييده ) أي كما في شرح الروض ( قوله : أن يسلم ) أي على المستمع ( قوله : للداخل ) يستثنى الخطيب على ما يأتي في التبكير ( قوله : ورفع الصوت من غير مبالغة إلخ ) أي يسن كما هو صريح صنيعه لكن لما قال في الروض وللمستمع أن يرفع [ ص: 455 ] صوته إلخ قال في شرحه وقضية كلام المصنف كالروضة أن ما قاله مباح مستوي الطرفين لأنه ، وإن كان مطلوبا فالاستماع كذلك ولك أن تقول : لا نسلم أنه مطلوب هنا لمنعه من الاستماع فالأولى تركه بل صرح القاضي أبو الطيب بكراهته ؛ لأنه يقطع الاستماع ا هـ وعبارة العباب ولا أي ولا يكره رفع الصوت بلا مبالغة إلخ ( قوله : بنية التحية ) قضية هذا تصوير المسألة بإقامة الجمعة في مسجد وأنها لو أقيمت في غيره فلا صلاة م ر مطلقا وقد يقتضيه أيضا قوله : الآتي أي من لم تسن له التحية ( قوله : لم تنعقد ) هذا يدل على أن الكلام في حال الخطبة ( قوله : بخلاف نية ركعتين سنة الصبح إلخ ) يراجع ( قوله : قلت يفرق بأن نية ركعتين إلخ ) أقول قد ينظر في هذا الفرق من وجهين الأول أن قضيته بعد تسليمه امتناع الركعتين بنية راتبة الجمعة القبلية وذلك يناقض ما أفاده قوله السابق بنية التحية إلخ الصريح في جواز الاقتصار على نية الراتبة القبلية ، ألا ترى قوله : وحينئذ إلخ ، فإن أجاب بأن نية راتبتها ليس فيه صرف عن التحية بخلاف نية سبب غيرها فهو تحكم بحت ، والثاني منع أن مجرد نية سبب آخر فيه صرف عن التحية وإنما يحصل الصرف إن نفى التحية في نيته على أن الحكم بالصرف ينافي ما أفاده قوله : مع استوائها إلخ فليتأمل والذي يتجه أنه يصلي ركعتين ، ولو قضاء سنة الصبح أو نفس الصبح سواء نوى معهما التحية أو لا بخلاف ما لو صرفهما عنها .

( فرع ) ينبغي فيما لو ابتدأ فريضة قبل جلوس الإمام فجلس في أثنائها أنه إن كان الباقي ركعتين جاز له فعلهما ولزمه تخفيفهما وينبغي مراجعة ما تقدم فيما لو دخل وقت الكراهة وهو في نافلة مطلقة لكن ما هنا أضيق منه أو أكثر امتنع فعله وعليه [ ص: 456 ] قطعها أو قلبها نفلا والاقتصار على ركعتين مع لزوم تخفيفهما ، ولو أراد بعد جلوس بعض الجالسين فريضة ثنائية فخرج من المسجد ، ثم دخله بقصد التوصل لفعل تلك الفريضة فينبغي امتناع ذلك ، كما لو دخل المسجد وقت الكراهة بقصد التحية فقط ، بل قياس مسألة التحية أنه لو دخل ابتداء بعد جلوس الإمام بقصد التحية أو ثنائية لم تنعقد فليراجع ، ثم رأيت قول الشارح وأن يخفف إلخ فتأمله مع ما ذكرناه ( قوله : على الأوجه ) في نسخة على ما قاله جمع وبينت ما فيه في شرح العباب ( قوله : وأن يخفف صلاة طرأ جلوس الإمام إلخ ) ظاهره قد يوجه الصحة مع الاقتصار على الأقل ، وإن تعمد ابتداءها بعد علمه أن ما بقي إلى جلوس الإمام لا يسعها وفيه نظر ( قوله : بأن يقتصر إلخ ) ويحتمل أن المعتبر العرف ( قوله : ويحرم إجماعا إلخ ) ، وإن أمن فوات سماع أول الخطبة خلافا لما في الغرر البهية وقد يؤخذ من ذلك أن الطواف ليس كالصلاة ويمنع من سجدة التلاوة والشكر كما أفتى به شيخنا الشهاب الرملي وشمله كلامهم ، وإن كان كل منهما ليس صلاة وإنما هو ملحق بها [ ص: 457 ] شرح م ر ( قوله : ولو في حال الدعاء للسلطان ) قد يخالفه ما تقدم عن المرشد إذ يدل على أن الدعاء للسلطان ليس له حكم الخطبة إلا أن يفرق .

( قوله : وسجدة تلاوة أو شكر فيما يظهر ) أفتى شيخنا الشهاب الرملي بامتناع سجدتي التلاوة والشكر ( قوله : أي وقد جزم أئمتنا وغيرهم بحرمة كتابة وقراءة الكلمات إلخ ) في آخر فتاوى المصنف رحمه الله ما نصه مسألة هذه الطلسمات التي تكتب للمنافع مجهولة المعنى هل تحل كتابتها الجواب تكره ولا تحرم . ا هـ .

( قوله : بين أركانهما وبينهما ) أي فلا يطيل الفصل بينهما ( قوله : وبينهما وبين الصلاة ) أي فلا يطيل الفصل بين الثانية منهما وبين الصلاة ( قوله : فلا يبعد الضبط بهذا هنا ) شامل لما بين الأركان وفي العباب ما نصه فرع لو أحدث الإمام في الخطبة أو بينها وبين الصلاة فاستخلف من سمع واجبها لا غيره جاز . ا هـ .

وقوله لو أحدث الإمام قال في شرحه بإغماء أو غيره ، ثم بين عن المجموع تبعا للعمراني [ ص: 458 ] والرافعي أن مراد الأصحاب بالسماع الحضور ، وإن لم يسمع ، ثم قال ما ذكره في الحدث في الخطبة بإغماء أو غيره هو ما جرى عليه الشيخان هنا في الحدث بغير إغماء واقتضاه في الحدث بالإغماء ما نقلاه عن صاحب التهذيب لكن اختار في الروضة في الإغماء منع الاستخلاف ، وصححه في المجموع فيه وفي الحدث لاختلال الوعظ بذلك وقياسا على منع البناء على أذان غيره والأوجه الأول إلحاقا للخطبة بالصلاة وفارقت الأذان بأنها للحاضرين فلا لبس وهو للغائبين فيحصل اللبس باختلاف الأصوات وفرق بين الحدث بالإغماء ومثله الجنون بالأولى والحدث بغيره بعيد بزوال الأهلية بكل منهما ولا نظر لبقاء التكليف بعد غير الإغماء وزواله به إذ لا يرتبط بذلك هنا معنى مناسب فالوجه التسوية بينهما ، أما في المنع على ما مر عن المجموع أو في الجواز على ما مر في العزيز وهو الأوجه كما تقرر ا هـ ثم قال في العباب تبعا للروض من زيادته ويكره إن اتسع الوقت فيتطهر ويستأنف قال في شرحه ، فإن ضاق الوقت عن الطهارة والاستئناف استخلف . ا هـ .

وعبارة شرح الروض وكره أي الاستخلاف بعد الخطبة أو فيها إن اتسع الوقت فيتطهر ويستأنف أو يبني بشرطه . ا هـ . وقوله : أو يبني في غير الحدث في الخطبة لقوله مع الروض بعد ذلك فلو أحدث في الخطبة استأنفها ، ولو سبقه الحدث وقصر الفصل ا هـ ، ثم قال فيما لو أحدث بين الخطبة والصلاة وتطهر عن قرب أن الأوجه أنه لا يضر ( قوله : ولعموم هذا لما قررته لم يكتف عنه بما مر إلخ ) فيه نظر واضح لأن الذي قرره هنا اعتبار الموالاة في ثلاثة مواضع [ ص: 459 ] بين الأركان وبين الخطبتين وبين الخطبتين والصلاة واعتبار الموالاة بين هذه الثلاثة مستفاد من مسألة الانفضاض أما الأولان فمن قوله ، ثم ، ولو انفض الأربعون أو بعضهم في الخطبة فإنه شامل للانفضاض في أثناء أحدهما وبينهما ، ثم قال ويجوز البناء على ما مضى إن عادوا قبل طول الفصل وأما الثالث فمن قوله ، ثم وكذا بناء الصلاة على الخطبة إلخ ، ثم قال فإذا عادوا قبل طوله أي في المسألتين وجب الاستئناف في الأظهر فالاكتفاء بما مر عما هنا ظاهر . نعم قد يجاب بأن ما مر لا يفيد الموالاة في غير الانفضاض وجاز أن يعتبر في الانفضاض دون غيره بخلاف هذا فليتأمل .


الحـــواشي 1  2  
السابق

|

| من 423

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة