الفقه المقارن

المغني

موفق الدين عبد الله بن أحمد بن قدامة

دار إحيار التراث العربي

سنة النشر: 1405هـ / 1985م
رقم الطبعة: الأولى
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

مسألة: الجزء السادس
( 4973 ) فصل : في ميراث المفقود ، وهو نوعان ; أحدهما ، الغالب من حاله الهلاك ، وهو من يفقد في مهلكة ، كالذي يفقد بين الصفين ، وقد هلك جماعة ، أو في مركب انكسر ، فغرق بعض أهله ، أو في مفازة يهلك فيها الناس ، أو يفقد من بين أهله ، أو يخرج لصلاة العشاء أو غيرها من الصلوات أو لحاجة قريبة ، فلا يرجع ، ولا يعلم خبره ، فهذا ينتظر به أربع سنين ، فإن لم يظهر له خبر ، قسم ماله ، واعتدت امرأته عدة الوفاة ، وحلت للأزواج ، نص عليه الإمام أحمد . وهذا اختيار أبي بكر

وذكر القاضي أنه لا يقسم ماله ، حتى تمضي عدة الوفاة بعد الأربع سنين ; لأنه الوقت الذي يباح لامرأته التزوج فيه . والأول أصح ; لأن العدة إنما تكون بعد الوفاة ، فإذا حكم بوفاته فلا وجه للوقوف عن قسم ماله . وإن مات للمفقود من يرثه قبل الحكم بوفاته ، وقف للمفقود نصيبه من ميراثه ، وما يشك في مستحقه ، وقسم باقيه ; فإن بان حيا ، أخذه ، ورد الفضل إلى أهله ، وإن علم أنه مات بعد موت موروثه ، دفع نصيبه مع ماله إلى ورثته .

وإن علم أنه كان ميتا حين موت موروثه ، رد الموقوف إلى ورثة الأول ، وإن مضت المدة ، ولم يعلم خبره ، رد أيضا إلى ورثة الأول ; لأنه مشكوك في حياته حين موت موروثه ، فلا نورثه مع الشك ، كالجنين الذي يسقط ميتا ، وكذلك إن علمنا أنه مات ، ولم يدر متى مات . ولم يفرق سائر أهل العلم بين هذه الصورة وبين سائر صور الفقدان فيما علمنا ، إلا أن مالكا ، والشافعي رضي الله عنهما ، في القديم ، وافقا في الزوجة أنها تتزوج خاصة

والأظهر من مذهبه مثل قول الباقين ، فأما ماله فاتفقوا على أنه لا يقسم حتى تمضي مدة لا يعيش في مثلها ، على ما سنذكره في الصورة الأخرى ، إن شاء الله تعالى ; لأنه مفقود لا يتحقق موته ، فأشبه التاجر والسائح . ولنا ، اتفاق الصحابة رضي الله عنهم على تزويج امرأته على ما ذكرناه في العدد ، وإذا ثبت ذلك في النكاح مع الاحتياط للأبضاع ، ففي المال أولى ولأن الظاهر هلاكه ، فأشبه ما لو مضت مدة لا يعيش في مثلها

النوع الثاني ، من ليس الغالب هلاكه ، كالمسافر لتجارة ، أو طلب علم ، أو سياحة ، ونحو ذلك ، ولم يعلم خبره ففيه روايتان ; إحداهما ، لا يقسم ماله ، ولا تتزوج امرأته ، حتى يتيقن موته ، أو يمضي عليه مدة لا يعيش مثلها ، وذلك مردود إلى اجتهاد الحاكم . وهذا قول الشافعي رضي الله عنه ومحمد بن الحسن ، وهو المشهور عن مالك ، وأبي حنيفة ، وأبي يوسف ; لأن الأصل حياته ، والتقدير لا يصار إليه إلا بتوقيف ، ولا توقيف هاهنا ، فوجب التوقف عنه

والرواية الثانية ، أنه ينتظر به تمام تسعين سنة مع سنة يوم فقد . وهذا قول عبد الملك بن الماجشون ; لأن الغالب أنه لا يعيش أكثر من هذا . وقال عبد الله بن عبد الحكم : ينتظر به إلى تمام سبعين سنة مع سنة يوم فقد . ولعله يحتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم { : أعمار أمتي ما بين السبعين والستين } . أو كما قال ; ولأن الغالب أنه لا يعيش أكثر من هذا ، فأشبه التسعين

وقال الحسن بن زياد : ينتظر به تمام مائة وعشرين سنة . قال : ولو فقد وهو ابن ستين سنة ، وله مال ، لم يقسم ماله حتى [ ص: 264 ] يمضي عليه ستون سنة أخرى ، فيكون له مع سنة يوم فقد مائة وعشرون سنة ، فيقسم ماله حينئذ بين ورثته إن كانوا أحياء ، وإن مات بعض ورثته قبل مضي مائة وعشرين ، وخلف ورثة لم يكن لهم شيء من مال المفقود ، وكان ماله للأحياء من ورثته ، ويوقف للمفقود حصته من مال موروثه الذي مات في مدة الانتظار ، فإن مضت المدة ولم يعلم خبر المفقود رد الموقوف إلى ورثة موروث المفقود ، ولم يكن لورثة المفقود

قال اللؤلؤي : وهذا قول أبي يوسف . وحكى الخبري عن اللؤلؤي أنه قال : إن الموقوف للمفقود ، وإن لم يعلم خبره يكون لورثته . قال : وهو الصحيح عندي ، والذي ذكرناه هو الذي حكاه ابن اللبان عن اللؤلؤي ، فقال : لو ماتت امرأة المفقود قبل تمام مائة وعشرين سنة بيوم ، أو بعد فقده بيوم ، وتمت مائة وعشرون سنة ، لم تورث منه شيئا ، ولم نورثه منها ; لأننا لا نعلم أيهما مات أولا

وهذا قياس قول من قال في الغرقى : إنه لا يورث أحدهم من صاحبه ، ويرث كل واحد الأحياء من ورثته . قال القاضي : هذا قياس قول أحمد . واتفق الفقهاء على أنه لا يرث المفقود إلا الأحياء من ورثته يوم قسم ماله ، لا من مات قبل ذلك ، ولو بيوم . واختلفوا في من مات وفي ورثته مفقود فمذهب أحمد وأكثر الفقهاء ، على أنه يعطى كل وارث من ورثته اليقين ، ويوقف الباقي حتى يتبين أمره ، أو تمضي مدة الانتظار

، فتعمل المسألة على أنه حي ، ثم على أنه ميت ، وتضرب إحداهما في الأخرى إن تباينتا ، أو في وقفهما إن اتفقتا ، وتجتزئ إحداهما إن تماثلتا ، أو بأكثرهما إن تناسبتا ، وتعطي كل واحد أقل النصيبين ، ومن لا يرث إلا من أحدهما لا تعطيه شيئا ، وتقف الباقي . ولهم أن يصطلحوا على ما زاد على نصيب المفقود ، واختاره ابن اللبان ; لأنه لا يخرج عنهم . وأنكر ذلك الوني ، وقال : لا فائدة في أن ينقص بعض الورثة عما يستحقه في مسألة الحياة ، وهي متيقنة ، ثم يقال له : لك أن تصالح على بعضه

بل إن جاز ذلك ، فالأولى أن نقسم المسألة على تقدير الحياة ، ونقف نصيب المفقود لا غير . والأول أصح ، إن شاء الله تعالى فإن الزائد عن نصيب المفقود من الموقوف مشكوك في مستحقه ، ويقين الحياة معارض بظهور الموت ، فينبغي أن يورث كالزائد عن اليقين في مسائل الحمل والاستهلال ، ويجوز للورثة الموجودين الصلح عليه ; لأنه حقهم ، لا يخرج عنهم ، وإباحة الصلح عليه لا تمنع وجوب وقفه ، كما تقدم في نظائره ، ووجوب وقفه لا يمنع الصلح عليه لذلك ، ولأن تجويز أخذ الإنسان حق غيره برضاه وصلحه ، لا يلزم منه جواز أخذه بغير إذنه

وظاهر قول الوني هذا أن تقسم المسألة على أنه حي ، ويقف نصيبه لا غير . وقال بعض أصحاب الشافعي رضي الله عنه : يقسم المال على الموجودين ; لأنهم متحققون ، والمفقود مشكوك فيه ، فلا يورث مع الشك . وقال محمد بن الحسن : القول قول من المال في يده ، فلو مات رجل ، وخلف ابنتيه ، وابن ابن ، أبوه مفقود ، والمال في يد الابنتين ، فاختصموا إلى القاضي ، فإنه لا ينبغي للقاضي أن يحول المال عن موضعه ، ولا يقف منه شيئا ، سواء اعترفت الابنتان بفقده ، أو ادعتا موته

وإن كان المال في يد ابن المفقود ، لم يعط الابنتان إلا النصف أقل ما يكون لهما ، وإن كان المال في يد أجنبي ، فأقر بأن الابن مفقود ، وقف له النصف في يديه ، وإن قال الأجنبي : قد مات المفقود ، لزمه دفع الثلثين إلى البنتين ، ويوقف الثلث ، إلا أن يقر ابن الابن بموت أبيه ، فيدفع إليه الباقي . والجمهور على القول الأول . ومن مسائل ذلك : زوج وأم وأخت وجد وأخ مفقود ، مسألة الموت ، من سبعة وعشرين ; لأنها مسألة الأكدرية ، ومسألة الحياة من ثمانية عشر ، وهما يتفقان بالأتساع

، فتضرب تسع إحداهما في الأخرى ، تكن أربعة وخمسين ، للزوج النصف من [ ص: 265 ] مسألة الحياة ، والثلث من مسألة الموت ، فيعطى الثلث ، وللأم التسعان من مسألة الموت ، والسدس من مسألة الحياة ، فتعطى السدس ، وللجد ستة عشر سهما من مسألة الموت ، وتسعة من مسألة الحياة ، فيأخذ التسعة ، وللأخت ثمانية من مسألة الموت ، وثلاثة من مسألة الحياة ، فتأخذ ثلاثة ، ويبقى خمسة عشر موقوفة ، إن بان أن الأخ حي ، وأخذ ستة ، وأخذ الزوج تسعة ، وإن بان ميتا ، أو مضت المدة قبل قدومه ، أخذت الأم ثلاثة ، والأخت خمسة ، والجد سبعة

واختار الخبري أن المدة إذا مضت ، ولم يتبين أمره ، أن يقسم نصيبه من الموقوف على ورثته ; فإنه كان محكوما بحياته ، لأنها اليقين ، وإنما حكمنا بموته بمضي المدة . ولنا ، أنه مال موقوف لمن ينتظر ممن لا يعلم حاله ، فإذا لم تتبين حياته ، لم يكن لورثته ، كالموقوف للحمل ، وللمورثة أن يصطلحوا على التسعة قبل مضي المدة . زوج وأبوان وابنتان مفقودتان

مسألة حياتهما من خمسة عشر ، وفي حياة إحداهما من ثلاثة عشر ، وفي موتهما من ستة ، فتضرب ثلث الستة في خمسة عشر ، ثم في ثلاثة عشر ، تكن ثلاثمائة وتسعين ، ثم تعطي الزوج والأبوين حقوقهم من مسألة الحياة مضروبا في اثنين ، ثم في ثلاثة عشر ، وتقف الباقي . وإن كان في المسألة ثلاثة مفقودون ، عملت لهم أربع مسائل . وإن كانوا أربعة عملت لهم مسائل . وعلى هذا . وإن كان المفقود يحجب ولا يرث ، كزوج وأخت من أبوين وأخت من أب وأخ لها مفقود ، وقفت السبع بينهما وبين الزوج والأخت من الأبوين

وقيل : لا يوقف هاهنا شيء ، وتعطى الأخت من الأب السبع ; لأنها لا تحجب بالشك ، كما لا ترث بالشك . والأول أصح ; لأن دفع السبع إليها توريث بالشك ، وليس في الوقف حجب يقينا ، إنما هو توقف عن صرف المال إلى إحدى الجهتين المشكوك فيها . ويعارض قول هذا القائل قول من قال : إن اليقين حياته ، فيعمل على أنه حي ، ويدفع المال إلى الزوج والأخت من الأبوين . والتوسط بما ذكرناه أولى . والله أعلم .

السابق

|

| من 174

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة