العقيدة

اجتماع الجيوش الإسلامية

أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ( ابن قيم الجوزية)

مكتبة ابن رشد

سنة النشر: 1419هـ / 1999م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزء واحد

مسألة: الجزء الأول
" ذكر قول الإمام مالك الصغير أبي محمد عبد الله بن أبي زيد القيرواني "

قال في خطبة رسالته المشهورة : باب ما تنطق به الألسنة وتعتقده الأفئدة من واجب أمور الديانات ومن ذلك الإيمان بالقلب والنطق باللسان أن الله إله واحد لا إله غيره [ ص: 150 ] ولا شبيه له ولا نظير له ولا ولد له ولا والد له ولا صاحبة له ولا شريك له ، ليس لأوليته ابتداء ولا لآخريته انقضاء ولا يبلغ كنه صفته الواصفون ولا يحيط بأمره المتفكرون يعتبر المتفكرون بآياته ولا يتفكرون في ماهية ذاته : ( ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم ) العليم الخبير المدبر القدير السميع البصير العلي الكبير وأنه فوق عرشه المجيد بذاته وهو في كل مكان بعلمه .

لذلك ذكر مثل هذا في نوادره وغيرها من كتبه ( وذكر في كتابه المفرد في السنة تقرير العلو ) واستواء الرب تعالى على عرشه بذاته أتم تقرير فقال : ( فصل ) فيما اجتمعت عليه الأمور من أمور الديانة " و " من السنن التي خلافها بدعة وضلالة : أن الله سبحانه وتعالى اسمه له الأسماء الحسنى والصفات العلى لم يزل بجميع صفاته قائم وهو سبحانه موصوف بأن له علما وقدرة وإرادة ومشيئة أحاط علما بجميع ما بدأ قبل كونه فطر الأشياء بإرادته وقوله : ( إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون ) وأن كلامه صفة من صفاته ليس بمخلوق فيبيد ، ولا صفة لمخلوق فينفد ، وأن الله عز وجل كلم موسى عليه الصلاة والسلام بذاته وأسمعه كلامه لا كلاما قام في غيره ، وأنه يسمع ويرى ويقبض ويبسط وأن يديه مبسوطتان [ ص: 151 ] ( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه ) وأن يديه غير نعمته في ذلك وفي قوله تعالى : ( ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ) وأنه يجيء يوم القيامة بعد أن لم يكن جائيا : والملك صفا صفا لعرض الأمم وحسابها وعقابها وثوابها فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وأنه يرضى عن الطائعين ويحب التوابين ويسخط على من كفر به ويغضب فلا يقوم شيء لغضبه وأنه فوق سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل مكان بعلمه وأن لله سبحانه كرسيا كما قال عز وجل : ( وسع كرسيه السماوات والأرض ) وكما جاءت به الأحاديث أن الله سبحانه يضع كرسيه يوم القيامة لفصل القضاء ، وقال مجاهد : كانوا يقولون ما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض . وأن الله سبحانه يراه أولياؤه في المعاد بأبصارهم لا يضامون في رؤيته كما قال عز وجل في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ) وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله عز وجل : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) هو النظر إلى وجهه الكريم وأنه يكلم عباده يوم القيامة ليس بينه وبينهم واسطة ولا ترجمان وأن الجنة والنار داران قد خلقتا وأعدت الجنة للمتقين المؤمنين والنار للكافرين الجاحدين . لا تفنيان ولا تبيدان والإيمان بالقدر خيره وشره ، وكل ذلك قد قدره ربنا سبحانه وتعالى وأحصاه علمه ، وأن مقادير الأمور بيده ومصدرها عن قضائه تفضل على من أطاعه فوفقه وحبب الإيمان إليه وزينه في قلبه فيسره له وشرح له صدره ونور به قلبه فهداه و ( من يهد الله فهو المهتدي ) . وخذل من عصاه وكفر به فأسلمه ويسره [ ص: 152 ] لذلك فحجبه وأضله : ( ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) وكل ينتهي إلى سابق علمه لا محيص لأحد عنه وأن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح يزيد " ذلك " بالطاعة وينقص بالمعصية نقصا عن حقائق الكمال لا محبط للإيمان ولا قول إلا بعمل ، ولا قول ولا عمل إلا بنية ، ولا قول ولا عمل ولا نية إلا بموافقة السنة ، وأنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب وإن كان كبيرا ولا يحبط الإيمان غير الشرك بالله تعالى كما قال سبحانه : ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) وقال تعالى : ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) وأن على العباد حفظة يكتبون أعمالهم كما قال تعالى : ( وإن عليكم لحافظين كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون ) وقال تعالى : ( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ) وأن ملك الموت يقبض الأرواح كلها بإذن الله تعالى متى شاء كما قال تعالى : ( قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم ) وأن الخلق ميتون بآجالهم فأرواح أهل السعادة باقية ناعمة إلى يوم يبعثون وأرواح أهل الشقاء في سجين معذبة إلى يوم الدين وأن الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون ، وأن عذاب القبر حق ، وأن المؤمنين يفتنون في قبورهم ويضغطون ويسألون ويثبت الله منطق من أحب تثبيته وأنه ينفخ في الصور فيصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون كما بدأهم يعودون حفاة عراة غرلا وأن الأجساد التي أطاعت أو عصت هي التي تبعث يوم القيامة لتجازى ، والجلود التي كانت في الدنيا والألسنة والأيدي والأرجل التي تشهد عليهم يوم القيامة على من تشهد عليه منهم [ ص: 153 ] وتنصب الموازين لوزن أعمال العباد فأفلح من ثقلت موازينه ، وخاب " وخسر " من خفت موازينه . ويؤتون صحائفهم فمن أوتي كتابه بيمينه حوسب حسابا يسيرا ومن أوتي كتابه بشماله فأولئك يصلون سعيرا ، وأن الصراط جسر مورود يجوزه العباد بقدر أعمالهم فناجون متفاوتون في سرعة النجاة عليه من نار جهنم ، وقوم أوبقتهم أعمالهم فيها يتساقطون ، وأنه يخرج من النار من في قلبه شيء من الإيمان ، وأن الشفاعة لأهل الكبائر من المؤمنين ويخرج من النار بشفاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم قوم من أمته بعد أن صاروا " فيها " حمما فيطرحون في نهر الحياة فينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل . والإيمان بحوض رسول الله صلى الله عليه وسلم ترده أمته لا يظمأ من شرب منه ، ويذاد عنه من غير وبدل . والإيمان بما جاء من خبر الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماوات على ما صحت به الروايات وأنه صلى الله عليه وسلم رأى من آيات ربه الكبرى ، وبما ثبت من خروج الدجال ونزول عيسى بن مريم عليه الصلاة والسلام حكما عدلا ، وقتله للدجال ، وبالآيات التي بين يدي الساعة من طلوع الشمس من مغربها وخروج الدابة وغير ذلك مما صحت به الروايات ، ونصدق بما جاءنا عن الله تعالى في كتابه و " ما " ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أخباره [ ص: 154 ] يوجب العمل بمحكمه " ونؤمن " ونقر بنص مشكله ومتشابهه ونكل ما غاب عنا من حقيقة تفسيره إلى الله تعالى ، والله يعلم تأويل المتشابه من كتابه ، والراسخون في العلم يقولون : آمنا به ( كل من عند ربنا ) وقال بعض الناس : الراسخون في العلم يعلمون مشكله ولكن الأول قول أهل المدينة وعليه يدل الكتاب ، وأن أفضل القرون قرن الصحابة رضي الله عنهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي وقيل ثم عثمان وعلي ، ونكف عن التفضيل بينهما ، روي ذلك عن مالك ، وقال : ما أدركت أحدا أقتدي به يفضل أحدهما على صاحبه فرأى الكف عنهما وروي عنه القول الأول وعن سفيان وغيره وهو قول أهل الحديث ، ثم بقية العشرة ثم أهل بدر من المهاجرين ثم من الأنصار ومن جميع الصحابة على قدر الهجرة والسابقة والفضيلة وكل من صحبه ولو ساعة أو " رآه " ولو مرة فهو بذلك أفضل من التابعين والكف عن ذكر [ ص: 155 ] أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بخير ما يذكرون به ، وأنهم أحق أن ننشر محاسنهم ويلتمس لهم أفضل المخارج ونظن بهم أحسن المذاهب ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا تؤذوني في أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه . وقال صلى الله عليه وسلم : إذا ذكر أصحابي فأمسكوا . قال أهل العلم لا يذكرون إلا بأحسن ذكر ، والسمع والطاعة لأئمة المسلمين وكل من ولي أمر المسلمين عن رضى أو عن غلبة واشتدت وطأته من بر أو فاجر فلا يخرج عليه جار أو عدل ، ونغزو معه العدو ونحج معه البيت ، ودفع الصدقات إليهم مجزية إذا طلبوها ونصلي خلفهم الجمعة والعيدين قاله غير واحد من العلماء ، وقال مالك : لا نصلي خلف المبتدع منهم إلا أن نخافه فنصلي . واختلف في الإعادة ، ولا بأس بقتال من دافعك من الخوارج واللصوص من المسلمين وأهل الذمة عن نفسك ومالك ، والتسليم للسنن لا تعارض برأي ولا تدافع بقياس ، وما تأوله منها السلف الصالح تأولناه ، وما عملوا به عملناه ، وما تركوه تركناه ، ويسعنا أن نمسك عما أمسكوا ونتبعهم فيما بينوا ونقتدي بهم فيما استنبطوه ورأوه في الحوادث ولا نخرج من جماعتهم فيما اختلفوا فيه أو في تأويله ، وكل ما قدمنا ذكره فهو قول أهل السنة وأئمة الناس في الفقه والحديث على ما بيناه ، وكله قول مالك فمنه منصوص من قوله ومنه معلوم من مذهبه ، قال مالك : قال عمر بن عبد العزيز : سن رسول الله صلى الله عليه وسلم وولاة الأمر من بعده سننا الأخذ بها تصديق لكتاب الله واستكمال لطاعته وقوة على دين الله تعالى ليس لأحد تبديلها ولا تغييرها ولا النظر فيما خالفها ، من اهتدى بها هدي ومن استنصر بها نصر ، ومن تركها واتبع غير سبيل المؤمنين ولاه الله ما تولى وأصلاه جهنم وساءت مصيرا ، قال مالك : أعجبني [ ص: 156 ] عزم عمر رضي الله عنه في ذلك . وقال في مختصر المدونة : وأنه تعالى فوق عرشه بذاته فوق سبع سماواته دون أرضه رضي الله عنه ما كان أصلبه في السنة وأقومه بها .

السابق

|

| من 8

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة