العقيدة

منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية

أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية

مكتبة ابن تيمية

سنة النشر: 1406هـ / 1986م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: تسعة أجزاء

الكتب » منهاج السنة النبوية » الفصل الثالث في الأدلة الدالة على إمامة علي رضي الله عنه بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم » المنهج الثالث عند الرافضي في الأدلة المستندة إلى السنة على إمامة علي رضي الله عنه

الأول لما نزل قوله تعالى وأنذر عشيرتك الأقربين جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلبالثاني حديث الغدير
الثالث قوله أنت مني بمنزلة هارون من موسىالرابع أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف عليا على المدينة مع قصر مدة الغيبة
الخامس حديث أنت أخي ووصيي وخليفتي من بعديالسادس حديث المؤاخاة
السابع حديث الرايةالثامن حديث الطائر
التاسع ما رواه الجمهور أنه أمر الصحابة بأن يسلموا على علي بإمرة المؤمنينالعاشر حديث غدير خم وحديث أهل بيتي مثل سفينة نوح
الحادي عشر الأحاديث التي رواها الجمهور عن وحوب محبته وموالاتهالثاني عشر أحاديث أخرى يستدل بها على إمامة علي رضي الله عنه
قول الرافضي إنه يجب الأخذ بالأحاديث ويحرم العدول عنهافصل ليس كل أحد من أهل النظر والاستدلال خبيرا بالمنقولات والتمييز بين صدقها وكذبها وصوابها وخطئها
فصل الطرق التي يعلم بها كذب المنقولتوجد أحاديث أخرى لم يذكرها الرافضي وهي أدل على مقصوده من التي ذكرها
طرق يمكن سلوكها لمن لم تكن له معرفة بالأخبار
مسألة: الجزء السابع
فصل .

قال الرافضي [1] : " التاسع : ما رواه الجمهور أنه أمر الصحابة [2] [ ص: 386 ] بأن يسلموا على علي بإمرة المؤمنين ، وقال : إنه [3] سيد المسلمين [4] ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين ، وقال : هذا ولي كل مؤمن بعدي [5] ، وقال في حقه : إن عليا مني وأنا منه أولى بكل مؤمن [6] ومؤمنة فيكون علي وحده هو الإمام لذلك ، وهذه نصوص في الباب [7] " .

والجواب من وجوه :

أحدها : المطالبة بإسناده وبيان صحته ، وهو لم يعزه إلى كتاب على عادته ، فأما قوله : " رواه الجمهور " فكذب ، فليس هذا في كتب الأحاديث [8] المعروفة لا الصحاح ، ولا المساند ، ولا السنن ، وغير ذلك ، فإن كان رواه بعض حاطبي الليل ، كما يروي أمثاله ، فعلم مثل هذا ليس بحجة يجب اتباعها باتفاق المسلمين .

والله تعالى قد حرم علينا الكذب ، وأن نقول عليه ما لا نعلم ، وقد تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " [9] .

الوجه الثاني : أن هذا كذب موضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث ، [ ص: 387 ] وكل من له أدنى معرفة بالحديث [10] يعلم أن هذا كذب موضوع لم يروه أحد من أهل العلم بالحديث في كتاب يعتمد عليه لا الصحاح ، ولا السنن ، ولا المساند [11] المقبولة .

الثالث : أن هذا مما لا يجوز نسبته إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فإن قائل [12] هذا كاذب ، والنبي صلى الله عليه وسلم [13] منزه عن الكذب ، وذلك أن سيد المسلمين [14] ، وإمام المتقين ، وقائد الغر المحجلين هو رسول الله صلى الله عليه وسلم باتفاق المسلمين .

فإن قيل : علي هو سيدهم بعده .

قيل : ليس في لفظ الحديث ما يدل على هذا ( التأويل ) [15] ، بل هو مناقض لهذا ; لأنه أفضل المسلمين المتقين المحجلين هم القرن الأول ، ولم يكن لهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم سيد ولا إمام [ ص: 388 ] ولا قائد غيره ، فكيف يخبر عن شيء بعد إن لم يحضر [16] ، ويترك الخبر عما هو أحوج إليه ، وهو حكمهم في الحال ؟

ثم القائد يوم القيامة هو رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن [17] يقود علي ؟

وأيضا فعند الشيعة جمهور المسلمين المحجلين كفار أو فساق ، فلمن يقود ؟

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " وددت أني قد رأيت إخواني " ، قالوا : أولسنا إخوانك يا رسول الله ؟ قال : " أنتم أصحابي ، وإخواننا الذين لم [18] يأتوا بعد " .

قالوا : كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله قال : " أرأيتم لو أن رجلا له خيل غر محجلة بين ظهري خيل دهم بهم ألا يعرف خيله ؟ " قالوا : بلى يا رسول الله قال : " فإنهم يأتون يوم القيامة غرا محجلين من الوضوء ، وأنا فرطهم على الحوض
" الحديث [19] .

فهذا يبين أن كل من توضأ وغسل وجهه ويديه ورجليه ، فإنه من الغر المحجلين ، وهؤلاء جماهيرهم إنما يقدمون أبا بكر وعمر ، والرافضة لا تغسل بطون أقدامها ، ولا أعقابها فلا يكونون من المحجلين * في الأرجل ، وحينئذ فلا يبقى أحد من الغر المحجلين يقودهم ، ولا يقادون [ ص: 389 ] مع الغر المحجلين * [20] ؛ فإن الحجلة لا تكون إلا [21] في ظهر القدم ، وإنما الحجلة في الرجل كالحجلة في اليد [22] .

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ويل للأعقاب ، وبطون الأقدام من النار " [23] .

ومعلوم أن الفرس لو لم يكن البياض إلا لمعة في يده أو رجله لم يكن محجلا ، وإنما الحجلة بياض اليد أو الرجل ، فمن لم يغسل الرجلين إلى الكعبين لم يكن من المحجلين ، فيكون قائد الغر المحجلين بريئا منه كائنا من كان .

ثم كون علي سيدهم وإمامهم وقائدهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مما يعلم بالاضطرار أنه كذب ، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقل شيئا من ذلك ، بل كان يفضل عليه أبا بكر وعمر تفضيلا بينا ظاهرا ، عرفه الخاصة والعامة [24] ، حتى أن المشركين كانوا يعرفون ( منه ) [25] ذلك .

ولما كان يوم أحد قال أبو سفيان ، وكان حينئذ أمير المشركين : أفي القوم محمد ؟ أفي القوم محمد ؟ ثلاثا ، فقال النبي صلى الله عليه [ ص: 390 ] وسلم : " لا تجيبوه " ، فقال : أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ أفي القوم ابن أبي قحافة ؟ ثلاثا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تجيبوه " ، فقال : أفي القوم ابن الخطاب ؟ أفي القوم ابن الخطاب ؟ ثلاثا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا تجيبوه " ، فقال أبو سفيان لأصحابه : أما هؤلاء فقد كفيتموهم فلم يملك عمر نفسه أن قال : كذبت يا عدو الله إن الذين عددت لأحياء ، وقد بقي لك ما يسوءك ، وقد ذكر باقي الحديث رواه البخاري وغيره [26] .

فهذا مقدم الكفار إذ ذاك لم يسأل إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ، وعمر لعلمه وعلم الخاص والعام أن هؤلاء الثلاثة هم رءوس هذا الأمر ، وأن قيامه بهم ، ودل ذلك على أنه كان ظاهرا عند الكفار [27] أن هذين وزيراه ، وبهما تمام أمره ، وأنهما أخص الناس به ، وأن لهما من السعي في إظهار الإسلام ما ليس لغيرهما .

وهذا أمر كان [28] معلوما للكفار فضلا عن المسلمين ، والأحاديث الكثيرة متواترة بمثل هذا ، وكما في الصحيحين عن ابن عباس قال : وضع عمر على سريره فتكنفه الناس يدعون له ويثنون ( عليه ) [29] ويصلون عليه قبل أن يرفع ، وأنا فيهم فلم يرعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي فالتفت ، فإذا هو علي فترحم على عمر ، وقال ما خلفت [30] أحدا [ ص: 391 ] أحب إلي أن ألقى الله بمثل عمله منك ، وايم الله إن كنت لأظن أن يجعلك الله مع صاحبيك ، وذلك أني كثيرا ما كنت أسمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " جئت أنا وأبو بكر وعمر ، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر ، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر ، فإن كنت لأرجو أن يجعلك الله معهما " [31] .

فلم يكن تفضيلهما عليه ، وعلى أمثاله مما [32] يخفى على أحد ، ولهذا كانت الشيعة القدماء الذين أدركوا عليا يقدمون أبا بكر وعمر عليه إلا من ألحد منهم ، وإنما كان نزاع من نازع منهم في عثمان .

وكذلك قوله : " هو ولي كل مؤمن بعدي " كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بل هو في حياته وبعد مماته ولي كل مؤمن ، وكل مؤمن وليه في المحيا والممات ، فالولاية التي هي ضد العداوة لا تختص بزمان ، وأما الولاية التي هي الإمارة فيقال فيها : والي [33] كل مؤمن بعدي ، كما يقال في صلاة الجنازة : إذا اجتمع الولي والوالي قدم الوالي في قول الأكثر ، وقيل يقدم الولي .

فقول [34] القائل : " علي ولي كل مؤمن بعدي " كلام يمتنع نسبته إلى [ ص: 392 ] النبي صلى الله عليه وسلم ، فإنه إن أراد الموالاة لم يحتج أن يقول بعدي ، وإن أراد الإمارة كان ينبغي أن يقول : وال على كل مؤمن .

وأما قوله لعلي : " أنت مني وأنا منك " فصحيح [35] في غير هذا الحديث ثبت أنه قال له ذلك عام القضية لما تنازع هو وجعفر وزيد ابن حارثة في حضانة بنت حمزة فقضى النبي صلى الله عليه وسلم بها لخالتها ، وكانت تحت جعفر ، وقال : " الخالة أم " وقال لجعفر : " أشبهت خلقي وخلقي " وقال لعلي : " أنت مني وأنا منك " وقال لزيد : " أنت أخونا ومولانا " [36] .

وفي الصحيحين عنه أنه قال : " إن الأشعريين إذا أرملوا في السفر ، أو نقصت [37] نفقة عيالاتهم [38] بالمدينة جمعوا ما كان معهم في ثوب واحد فقسموه بينهم بالسوية هم مني وأنا منهم " [39] .

فقال للأشعريين : " هم مني ، وأنا منهم " ، كما قال لعلي : " أنت مني ( وأنا منك ) [40] " . وقال لجليبيب [41] : " هذا مني وأنا منه " [42] ، فعلم أن هذه اللفظة لا تدل على الإمامة ، ولا على أن من قيلت له كان هو أفضل الصحابة .

السابق

|

| من 22

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة