مرحباً بكم فى المكتبة الإسلامية على شبكة إسلام ويب

شروح الحديث

جامع العلوم والحكم

ابن رجب الحنبلي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر:  1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزءان

الكتب » جامع العلوم والحكم » الحديث الحادي عشر دع ما يريبك إلى ما لا يريبك

مسألة: الجزء الأول
[ ص: 278 ] الحديث الحادي عشر

عن الحسن بن علي سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وريحانته رضي الله عنه قال : حفظت من رسول الله صلى الله عليه وسلم : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك رواه النسائي والترمذي ، وقال : حسن صحيح .

الحاشية رقم: 1
هذا الحديث خرجه الإمام أحمد ، والترمذي ، والنسائي ، وابن حبان في " صحيحه " والحاكم من حديث بريد بن أبي مريم ، عن أبي الحوراء السعدي عن الحسن بن علي ، وصححه الترمذي ، وأبو الحوراء السعدي ، قال الأكثرون : اسمه ربيعة بن شيبان ، ووثقه النسائي وابن حبان ، وتوقف أحمد في أن أبا الحوراء اسمه ربيعة بن شيبان ، ومال إلى التفرقة بينهما ، وقال الجوزجاني : أبو الحوراء مجهول لا يعرف .

وهذا الحديث قطعة من حديث طويل فيه ذكر قنوت الوتر ، وعند الترمذي [ ص: 279 ] وغيره زيادة في هذا الحديث وهي " فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة " ولفظ ابن حبان : " فإن الخير طمأنينة ، وإن الشر ريبة " .

وقد خرجه الإمام أحمد بإسناد فيه جهالة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : دع ما يريبك إلى ما لا يريبك وخرجه من وجه آخر أجود منه موقوفا على أنس .

وخرجه الطبراني من رواية مالك ، عن نافع ، عن ابن عمر مرفوعا ، قال الدارقطني : وإنما يروى هذا من قول ابن عمر ، وعن عمر ، ويروى عن مالك من قوله . انتهى .

ويروى بإسناد ضعيف ، عن عثمان بن عطاء الخراساني - وهو ضعيف - ، عن أبيه ، عن الحسن ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لرجل : " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " قال : وكيف لي بالعلم بذلك ؟ قال : " إذا أردت أمرا ، فضع يدك على صدرك ، فإن القلب يضطرب للحرام ، ويسكن للحلال ، وإن المسلم الورع يدع الصغيرة مخافة الكبيرة " . وقد روي عن عطاء الخراساني مرسلا .

وخرج الطبراني نحوه بإسناد ضعيف عن واثلة بن الأسقع ، عن النبي صلى الله عليه وسلم وزاد فيه : قيل له : فمن الورع ؟ قال : " الذي يقف عند الشبهة " [ ص: 280 ] وقد روي هذا الكلام موقوفا على جماعة من الصحابة : منهم عمر ، وابن عمر ، وأبو الدرداء ، وعن ابن مسعود ، قال : ما تريد إلى ما يريبك وحولك أربعة آلاف لا تريبك ؟ ! وقال عمر : دعوا الربا والريبة ، يعني : ما ارتبتم فيه ، وإن لم تتحققوا أنه ربا .

ومعنى هذا الحديث يرجع إلى الوقوف عند الشبهات واتقائها ، فإن الحلال المحض لا يحصل لمؤمن في قلبه منه ريب - والريب : بمعنى القلق والاضطراب - بل تسكن إليه النفس ، ويطمئن به القلب ، وأما المشتبهات فيحصل بها للقلوب القلق والاضطراب الموجب للشك .

وقال أبو عبد الرحمن العمري الزاهد : إذا كان العبد ورعا ، ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه .

وقال الفضيل : يزعم الناس أن الورع شديد ، وما ورد علي أمران إلا أخذت بأشدهما ، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك .

وقال حسان بن أبي سنان : ما شيء أهون من الورع ، إذا رابك شيء ، فدعه . وهذا إنما يسهل على مثل حسان رحمه الله .

قال ابن المبارك : كتب غلام لحسان بن أبي سنان إليه من الأهواز : إن قصب السكر أصابته آفة ، فاشتر السكر فيما قبلك ، فاشتراه من رجل ، فلم يأت عليه إلا قليل فإذا فيما اشتراه ربح ثلاثين ألفا ، قال : فأتى صاحب السكر ، فقال : يا هذا إن غلامي كان قد كتب إلي ، فلم أعلمك ، فأقلني فيما اشتريت منك ، فقال له الآخر : قد أعلمتني الآن ، وقد طيبته لك ، قال : فرجع فلم يحتمل قلبه ، فأتاه ، فقال : يا هذا إني لم آت هذا الأمر من قبل وجهه ، فأحب أن تسترد هذا البيع ، قال : فما زال به حتى رده عليه .

[ ص: 281 ] وكان يونس بن عبيد إذا طلب المتاع ونفق ، وأرسل يشتريه يقول لمن يشتري له : أعلم من تشتري منه أن المتاع قد طلب .

وقال هشام بن حسان : ترك محمد بن سيرين أربعين ألفا فيما لا ترون به اليوم بأسا .

وكان الحجاج بن دينار قد بعث طعاما إلى البصرة مع رجل وأمره أن يبيعه يوم يدخل بسعر يومه ، فأتاه كتابه : إني قدمت البصرة ، فوجدت الطعام مبغضا فحبسته ، فزاد الطعام ، فازددت فيه كذا وكذا ، فكتب إليه الحجاج : إنك قد خنتنا ، وعملت بخلاف ما أمرناك به ، فإذا أتاك كتابي ، فتصدق بجميع ثمن الطعام على فقراء البصرة ، فليتني أسلم إذا فعلت ذلك .

وتنزه يزيد بن زريع عن خمسائة ألف من ميراث أبيه ، فلم يأخذه ، وكان أبوه يلي الأعمال للسلاطين ، وكان يزيد يعمل الخوص ، ويتقوت منه إلى أن مات رحمه الله .

وكان المسور بن مخرمة قد احتكر طعاما كثيرا ، فرأى سحابا في الخريف فكرهه ، فقال : ألا أراني قد كرهت ما ينفع المسلمين ؟ فآلى أن لا يربح فيه شيئا ، فأخبر بذلك عمر بن الخطاب فقال له عمر : جزاك الله خيرا .

وفي هذا أن المحتكر ينبغي له التنزه عن ربح ما احتكره احتكارا منهيا عنه ، وقد نص الإمام أحمد رحمه الله على التنزه عن ربح ما لم يدخل في ضمانه لدخوله في ربح ما لم يضمن ، وقد نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أحمد في رواية [ ص: 282 ] عنه فيمن أجر ما استأجره بربح : إنه يتصدق بالربح ، وقال في رواية عنه في ربح مال المضاربة إذا خالف فيه المضارب : إنه يتصدق به ، وقال في رواية عنه فيما إذا اشترى ثمرة قبل صلاحها بشرط القطع ، ثم تركها حتى بدا صلاحها : إنه يتصدق بالزيادة ، وحمله طائفة من أصحابنا على الاستحباب ، لأن الصدقة بالشبهات مستحب .

وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها سئلت عن أكل الصيد للمحرم ، فقالت : إنما هي أيام قلائل فما رابك ، فدعه يعني ما اشتبه عليك : هل هو حلال أو حرام ، فاتركه ، فإن الناس اختلفوا في إباحة أكل الصيد للمحرم إذا لم يصد هو .


الحـــواشي 1  2  
السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة