الفقه المقارن

بداية المجتهد ونهاية المقتصد

أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي

دار ابن حزم

سنة النشر: 1420هـ / 1999م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزء واحد

مسألة: الجزء الأول
الجملة الثالثة

في الرجعة بعد الطلاق

- ولما كان الطلاق على ضربين : بائن ، ورجعي ; وكانت أحكام الرجعة بعد الطلاق البائن غير أحكام الرجعة بعد الطلاق الرجعي وجب أن يكون في هذا الجنس بابان :

الباب الأول : في أحكام الرجعة في الطلاق الرجعي .

الباب الثاني : في أحكام الارتجاع في الطلاق البائن .

[ ص: 463 ] الباب الأول

في أحكام الرجعة في الطلاق الرجعي .

- وأجمع المسلمون على أن الزوج يملك رجعة الزوجة في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة من غير اعتبار رضاها لقوله تعالى : ( وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ) . وأن من شرط هذا الطلاق تقدم المسيس له ، واتفقوا على أنها تكون بالقول والإشهاد .

واختلفوا هل الإشهاد شرط في صحتها أم ليس بشرط ؟ وكذلك اختلفوا هل تصح الرجعة بالوطء ؟

فأما الإشهاد : فذهب مالك إلى أنه مستحب . وذهب الشافعي إلى أنه واجب .

وسبب الخلاف : معارضة القياس للظاهر : وذلك أن ظاهر قوله تعالى : ( وأشهدوا ذوي عدل منكم ) يقتضي الوجوب ، وتشبيه هذا الحق بسائر الحقوق التي يقبضها الإنسان يقتضي أن لا يجب الإشهاد ، فكان الجمع بين القياس والآية حمل الآية على الندب .

وأما اختلافهم فيما تكون به الرجعة ، فإن قوما قالوا : لا تكون الرجعة إلا بالقول فقط ، وبه قال الشافعي . وقوم قالوا : تكون رجعتها بالوطء ، وهؤلاء انقسموا قسمين :

فقال قوم : لا تصح الرجعة بالوطء إلا إذا نوى بذلك الرجعة ، لأن الفعل عنده يتنزل منزلة القول مع النية ، وهو قول مالك . وأما أبو حنيفة فأجاز الرجعة بالوطء إذا نوى بذلك الرجعة ودون النية .

فأما الشافعي : فقاس الرجعة على النكاح ، وقال : قد أمر الله بالإشهاد ، ولا يكون الإشهاد إلا على القول .

وأما سبب الاختلاف بين مالك ، وأبي حنيفة : فإن أبا حنيفة يرى أن الرجعية محللة الوطء عنده قياسا على المولى منها وعلى المظاهرة ولأن الملك لم ينفصل عنده ، ولذلك كان التوارث بينهما . وعند مالك أن وطء الرجعية حرام حتى يرتجعها ، فلا بد عنده من النية . فهذا هو اختلافهم في شروط صحة الرجعة .

واختلفوا في مقدار ما يجوز للزوج أن يطلع عليه من المطلقة الرجعية ما دامت في العدة ، فقال مالك : لا يخلو معها ولا يدخل عليها إلا بإذنها ، ولا ينظر إلى شعرها ، ولا بأس أن يأكل معها إذا كان معهما غيرهما . وحكى ابن القاسم أنه رجع عن إباحة الأكل معها . وقال أبو حنيفة : لا بأس أن تتزين الرجعية لزوجها ، وتتطيب له وتتشوف وتبدي البنان والكحل ، وبه قال الثوري ، وأبو يوسف ، والأوزاعي ، وكلهم قالوا : لا يدخل عليها إلا أن تعلم بدخوله بقول أو حركة من تنحنح أو خفق نعل .

واختلفوا في هذا الباب في الرجل يطلق زوجته طلقة رجعية وهو غائب ، ثم يراجعها ، فيبلغها الطلاق ولا تبلغها الرجعة ، فتتزوج إذا انقضت عدتها :

فذهب مالك إلى أنها للذي عقد عليها النكاح ، دخل بها أو لم يدخل ، هذا قوله في الموطأ ، وبه قال الأوزاعي والليث . وروى عنه ابن القاسم أنه رجع عن القول الأول ، وأنه قال : الأول أولى بها إلا أن يدخل الثاني ، وبالقول الأول قال المدنيون من أصحابه قالوا : ولم يرجع عنه لأنه أثبته في موطئه إلى يوم مات وهو يقرأ عليه ، وهو قول عمر بن الخطاب ورواه عنه مالك في الموطأ .

وأما الشافعي ، والكوفيون ، وأبو حنيفة وغيرهم فقالوا : زوجها الأول الذي ارتجعها أحق بها [ ص: 464 ] دخل بها الثاني أو لم يدخل ، وبه قال داود ، وأبو ثور ، وهو مروي عن علي وهو الأبين .

وقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال في هذه المسألة : إن الزوج الذي ارتجعها مخير بين أن تكون امرأته أو أن يرجع عليها بما كان أصدقها .

وحجة مالك في الرواية الأولى : ما رواه ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه قال : مضت السنة في الذي يطلق امرأته ثم يراجعها فيكتمها رجعتها حتى تحل فتنكح زوجا غيره أنه ليس له من أمرها شيء ، ولكنها لمن تزوجها ، وقد قيل إن هذا الحديث إنما يروى عن ابن شهاب فقط .

وحجة الفريق الأول : أن العلماء قد أجمعوا على أن الرجعة صحيحة وإن لم تعلم بها المرأة ، بدليل أنهم قد أجمعوا على أن الأول أحق بها قبل أن تتزوج ، وإذا كانت الرجعة صحيحة كان زواج الثاني فاسدا ، فإن نكاح الغير لا تأثير له في إبطال الرجعة لا قبل الدخول ولا بعد الدخول ، وهو الأظهر إن شاء الله ، ويشهد لهذا ما خرجه الترمذي عن سمرة بن جندب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " أيما امرأة تزوجها اثنان فهي للأول منهما ، ومن باع بيعا من رجلين فهو للأول منهما " .

السابق

|

| من 1

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة