التاريخ والتراجم

سير أعلام النبلاء

محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

مسألة: الجزء التاسع عشر
[ ص: 443 ] ابن عقيل

الإمام العلامة البحر ، شيخ الحنابلة أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادي الظفري ، الحنبلي المتكلم ، صاحب التصانيف ، كان يسكن الظفرية ومسجده بها مشهور .

[ ص: 444 ] ولد سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة .

وسمع أبا بكر بن بشران ، وأبا الفتح بن شيطا ، وأبا محمد الجوهري ، والحسن بن غالب المقرئ ، والقاضي أبا يعلى ابن الفراء ، وتفقه عليه ، وتلا بالعشر على أبي الفتح بن شيطا ، وأخذ العربية عن أبي القاسم بن برهان ، وأخذ علم العقليات عن شيخي الاعتزال أبي علي بن الوليد ، وأبي القاسم بن التبان صاحبي أبي الحسين البصري ، فانحرف عن السنة .

[ ص: 445 ]

وكان يتوقد ذكاء ، وكان بحر معارف ، وكنز فضائل ، لم يكن له في زمانه نظير على بدعته ، وعلق كتاب " الفنون " ، وهو أزيد من أربعمائة مجلد ، حشد فيه كل ما كان يجري له مع الفضلاء والتلامذة ، وما يسنح له من الدقائق والغوامض ، وما يسمعه من العجائب والحوادث .

[ ص: 446 ] حدث عنه : أبو حفص المغازلي ، وأبو المعمر الأنصاري ، ومحمد بن أبي بكر السنجي ، وأبو بكر السمعاني ، وأبو طاهر السلفي ، وأبو الفضل خطيب الموصل ، وابن ناصر ، وآخرون .

أنبؤونا عن حماد الحراني ، سمع السلفي يقول : ما رأت عيني مثل أبي الوفاء بن عقيل الفقيه ، ما كان أحد يقدر أن يتكلم معه لغزارة علمه ، وحسن إيراده ، وبلاغة كلامه ، وقوة حجته ، تكلم يوما مع شيخنا إلكيا أبي الحسن ، فقال له إلكيا : هذا ليس مذهبك ، فقال : أكون مثل أبي علي الجبائي ، وفلان وفلان لا أعلم شيئا ؟ ! أنا لي اجتهاد متى ما طالبني خصم بالحجة ، كان عندي ما أدفع به عن نفسي وأقوم له بحجتي ، فقال إلكيا : كذاك الظن بك .

وقال ابن عقيل : عصمني الله في شبابي بأنواع من العصمة ، وقصر محبتي على العلم ، وما خالطت لعابا قط ، ولا عاشرت إلا أمثالي من طلبة العلم ، وأنا في عشر الثمانين أجد من الحرص على العلم أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين ، وبلغت لاثنتي عشرة سنة ، وأنا اليوم لا أرى نقصا في الخاطر والفكر والحفظ ، وحدة النظر بالعين لرؤية الأهلة الخفية إلا أن القوة ضعيفة .

قال ابن الجوزي : كان ابن عقيل دينا ، حافظا للحدود ، توفي له ابنان ، فظهر منه من الصبر ما يتعجب منه ، وكان كريما ينفق ما يجد ، وما خلف سوى كتبه وثياب بدنه ، وكانت بمقدار ، توفي بكرة الجمعة ثاني [ ص: 447 ] عشر جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة وخمسمائة وكان الجمع يفوت الإحصاء ، قال ابن ناصر شيخنا : حزرتهم بثلاثمائة ألف .

قال المبارك بن كامل : صلي على شيخنا بجامع القصر ، فأمهم ابن شافع ، وكان الجمع ما لا يحصى ، وحمل إلى جامع المنصور ، فصلي عليه ، وجرت فتنة ، وتجارحوا ، ونال الشيخ تقطيع كفن ، ودفن قريبا من الإمام أحمد .

وقال ابن الجوزي أيضا فيه : هو فريد فنه ، وإمام عصره ، كان حسن الصورة ، ظاهر المحاسن ، قال : قرأت على القاضي أبي يعلى من سنة سبع وأربعين وإلى أن توفي ، وحظيت من قربه بما لم يحظ به أحد من أصحابه مع حداثة سني ، وكان أبو الحسن الشيرازي إمام الدنيا وزاهدها ، وفارس المناظرة وواحدها ، يعلمني المناظرة ، وانتفعت بمصنفاته ، ثم سمى جماعة من شيوخه .

ثم قال : وكان أصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء ، وكان ذلك يحرمني علما نافعا .

قلت : كانوا ينهونه عن مجالسة المعتزلة ، ويأبى حتى وقع في حبائلهم ، وتجسر على تأويل النصوص ، نسأل الله السلامة .

قال : وأقبل علي الشيخ أبو منصور بن يوسف ، وقدمني على الفتاوى ، وأجلسني في حلقة البرامكة بجامع المنصور لما مات شيخنا في سنة ثمان وخمسين وأربعمائة ، وقام بكل مؤنتي وتجملي .

[ ص: 448 ]

وأما أهل بيتي ، فإنهم أرباب أقلام وكتابة وأدب ، وعانيت من الفقر والنسخ بالأجرة مع عفة وتقى ، ولم أزاحم فقيها في حلقة ، ولا تطلب نفسي رتبة من رتب أهل العلم القاطعة عن الفائدة ، وأوذيت من أصحابي ، حتى طلب الدم ، وأوذيت في دولة النظام بالطلب والحبس .

وفي " تاريخ ابن الأثير " قال : كان قد اشتغل بمذهب المعتزلة في حداثته على ابن الوليد ، فأراد الحنابلة قتله ، فاستجار بباب المراتب عدة سنين ، ثم أظهر التوبة .

وقال ابن عقيل في " الفنون " : الأصلح لاعتقاد العوام ظواهر الآي ، لأنهم يأنسون بالإثبات ، فمتى محونا ذلك من قلوبهم ، زالت الحشمة .

قال : فتهافتهم في التشبيه أحب إلينا من إغراقهم في التنزيه ، لأن التشبيه يغمسهم في الإثبات ، فيخافون ويرجون ، والتنزيه يرمي بهم إلى النفي ، فلا طمع ولا مخافة في النفي ، ومن تدبر الشريعة ، رآها غامسة للمكلفين في التشبيه بالألفاظ الظاهرة التي لا يعطي ظاهرها سواه ، كقول الأعرابي : أويضحك ربنا ؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم فلم يكفهر لقوله ، تركه وما وقع له .

[ ص: 449 ] قلت : قد صار الظاهر اليوم ظاهرين : أحدهما حق ، والثاني باطل ، فالحق أن يقول : إنه سميع بصير ، مريد متكلم ، حي عليم ، كل شيء هالك إلا وجهه ، خلق آدم بيده ، وكلم موسى تكليما ، واتخذ إبراهيم خليلا ، وأمثال ذلك ، فنمره على ما جاء ، ونفهم منه دلالة الخطاب كما يليق به تعالى ، ولا نقول : له تأويل يخالف ذلك .

والظاهر الآخر وهو الباطل ، والضلال : أن تعتقد قياس الغائب على الشاهد ، وتمثل البارئ بخلقه ، تعالى الله عن ذلك ، بل صفاته كذاته ، فلا عدل له ، ولا ضد له ، ولا نظير له ، ولا مثل له ، ولا شبيه له ، وليس كمثله شيء ، لا في ذاته ، ولا في صفاته ، وهذا أمر يستوي فيه الفقيه والعامي ، والله أعلم .

قال السلفي : سمعت ابن عقيل يقول : كان جدي كاتب بهاء الدولة بن بويه ، وهو الذي كتب نسخة عزل الطائع ، وتولية القادر ، وهي عندي بخط جدي .

وقال أبو المظفر سبط ابن الجوزي : حكى ابن عقيل عن نفسه .

قال : حججت ، فالتقطت عقد لؤلؤ في خيط أحمر ، فإذا شيخ أعمى ينشده ، ويبذل لملتقطه مائة دينار ، فرددته عليه ، فقال : خذ الدنانير ، فامتنعت ، وخرجت إلى الشام ، وزرت القدس ، وقصدت بغداد ، فأويت بحلب إلى مسجد وأنا بردان جائع ، فقدموني ، فصليت بهم ، فأطعموني ، وكان أول رمضان ، فقالوا : إمامنا توفي فصل بنا هذا الشهر ، ففعلت ، فقالوا : لإمامنا بنت ، فزوجت بها ، فأقمت معها سنة ، وأولدتها ولدا ذكرا ، فمرضت في نفاسها ، فتأملتها يوما فإذا في عنقها العقد بعينه بخيطه الأحمر ، فقلت لها : لهذا قصة ، وحكيت لها ، [ ص: 450 ] فبكت ، وقالت : أنت هو والله ، لقد كان أبي يبكي ، ويقول : اللهم ارزق بنتي مثل الذي رد العقد علي ، وقد استجاب الله منه ، ثم ماتت ، فأخذت العقد والميراث ، وعدت إلى بغداد .

وحكى عن نفسه قال : كان عندنا بالظفرية دار ، كلما سكنها ناس أصبحوا موتى ، فجاء مرة رجل مقرئ ، فاكتراها ، وارتضى بها ، فبات بها وأصبح سالما ، فعجب الجيران ، وأقام مدة ، ثم انتقل ، فسئل ، فقال : لما بت بها ، صليت العشاء ، وقرأت شيئا ، وإذا شاب قد صعد من البئر ، فسلم علي ، فبهت ، فقال : لا بأس عليك ، علمني شيئا من القرآن ، فشرعت أعلمه ، ثم قلت : هذه الدار ، كيف حديثها ؟ قال : نحن جن مسلمون ، نقرأ ونصلي ، وهذه الدار ما يكتريها إلا الفساق ، فيجتمعون على الخمر ، فنخنقهم ، قلت : ففي الليل أخافك ، فجيء نهارا ، قال : نعم ، فكان يصعد من البئر في النهار ، وألفته ، فبينما هو يقرأ ، إذا بمعزم في الدرب يقول : المرقي من الدبيب ، ومن العين ، ومن الجن ، فقال : أيش هذا ؟ قلت : معزم ، قال : اطلبه ، فقمت وأدخلته ، فإذا بالجني قد صار ثعبانا في السقف ، فعزم الرجل ، فما زال الثعبان يتدلى حتى سقط في وسط المندل ، فقام ليأخذه ويضعه في الزنبيل ، فمنعته ، فقال : أتمنعني من صيدي ؟ ! فأعطيته دينارا وراح ، فانتفض الثعبان ، وخرج الجني ، وقد ضعف واصفر وذاب ، فقلت : ما لك ؟ قال : قتلني هذا بهذه الأسامي ، وما أظنني أفلح ، فاجعل بالك الليلة ، متى سمعت في البئر صراخا ، فانهزم . قال : فسمعت تلك الليلة [ ص: 451 ] النعي ، فانهزمت . قال ابن عقيل : وامتنع أحد أن يسكن تلك الدار بعدها .

أخبرنا إسحاق بن طارق ، أخبرنا أبو البقاء يعيش ، أخبرنا عبد الله بن أحمد الخطيب ، أخبرنا علي بن عقيل الفقيه ، أخبرنا أبو محمد الجوهري ، أخبرنا القطيعي ، حدثنا بشر بن موسى ، حدثنا هوذة ، حدثنا عوف ، عن سعيد بن أبي الحسن قال : كنت عند ابن عباس ، إذ أتاه رجل ، فقال : إنما معيشتي من التصاوير ، فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من صور صورة ، عذبه الله يوم القيامة حتى ينفخ فيها ، وليس بنافخ فيها أبدا .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة