التاريخ والتراجم

سير أعلام النبلاء

محمد بن أحمد بن عثمان الذهبي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: أربعة وعشرون جزءا

مسألة: الجزء السابع عشر
أبو الطيب الطبري

الإمام العلامة ، شيخ الإسلام ، القاضي أبو الطيب ; طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر ، الطبري الشافعي ، فقيه بغداد .

ولد سنة ثمان وأربعين وثلاثمائة بآمل .

وسمع بجرجان من : أبي أحمد بن الغطريف جزءا تفرد في الدنيا [ ص: 669 ] بعلوه ، وبنيسابور من مفقهه أبي الحسن الماسرجسي ، وببغداد من الدارقطني ، وموسى بن عرفة ، وعلي بن عمر السكري ، والمعافى الجريري .

واستوطن بغداد ، ودرس وأفتى وأفاد ، وولي قضاء ربع الكرخ بعد القاضي الصيمري .

وقال : سرت إلى جرجان للقاء أبي بكر الإسماعيلي ، فقدمتها يوم الخميس ، فدخلت الحمام ، ومن الغد لقيت ولده أبا سعد ، فقال لي : الشيخ قد شرب دواء لمرض ، وقال لي : تجيء غدا لتسمع منه . فلما كان بكرة السبت ، غدوت ، فإذا الناس يقولون : مات الإسماعيلي .

قال الخطيب : كان شيخنا أبو الطيب ورعا ، عاقلا ، عارفا بالأصول والفروع ، محققا ; حسن الخلق ، صحيح المذهب ، اختلفت إليه ، وعلقت عنه الفقه سنين .

قيل : إن أبا الطيب دفع خفا له إلى من يصلحه ، فمطله ، وبقي كلما جاء ، نقعه في الماء ، وقال : الآن أصلحه . فلما طال ذلك عليه ، قال : إنما دفعته إليك لتصلحه لا لتعلمه السباحة .

قال الخطيب : سمعت محمد بن أحمد المؤدب ، سمعت أبا محمد البافي يقول : أبو الطيب الطبري أفقه من أبي حامد الإسفراييني . وسمعت أبا حامد يقول : أبو الطيب أفقه من أبي محمد البافي . [ ص: 670 ]

قال القاضي ابن بكران الشامي : قلت للقاضي أبي الطيب شيخنا وقد عمر : لقد متعت بجوارحك أيها الشيخ ! قال : ولم ؟ وما عصيت الله بواحدة منها قط . أو كما قال . قال غير واحد : سمعنا أبا الطيب يقول : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في النوم ، فقلت : يا رسول الله : أرأيت من روى أنك قلت : نضر الله امرءا سمع مقالتي ، فوعاها أحق هو ؟ قال : نعم .

قال أبو إسحاق في " الطبقات " : ومنهم شيخنا وأستاذنا القاضي أبو الطيب ، توفي عن مائة وسنتين ، لم يختل عقله ، ولا تغير فهمه ، يفتي مع الفقهاء ، ويستدرك عليهم الخطأ ، ويقضي ، ويشهد ويحضر المواكب إلى أن مات . تفقه بآمل على أبي علي الزجاجي صاحب أبي العباس بن القاص . وقرأ على أبي سعد بن الإسماعيلي ، وأبي القاسم بن كج بجرجان ، ثم ارتحل إلى أبي الحسن الماسرجسي وصحبه أربع سنين ، ثم قدم بغداد ، وعلق عن أبي محمد البافي الخوارزمي ; صاحب الداركي ، وحضر مجلس أبي حامد ، ولم أر فيمن رأيت أكمل اجتهادا ، وأشد تحقيقا ، وأجود نظرا [ ص: 671 ] منه . شرح " مختصر " المزني ، وصنف في الخلاف المذهب والأصول والجدل كتبا كثيرة ، ليس لأحد مثلها ، لازمت مجلسه بضع عشرة سنة ، ودرست أصحابه في مسجده سنين بإذنه ، ورتبني في حلقته ، وسألني أن أجلس للتدريس في سنة ثلاثين وأربعمائة ، ففعلت .

قلت : من وجوه أبي الطيب في المذهب أن خروج المني ينقض الوضوء . ومنها أن الكافر إذا صلى في دار الحرب ، فصلاته إسلام .

قلت : حدث عنه : الخطيب ، وأبو إسحاق ، وابن بكران ، وأبو محمد بن الآبنوسي ، وأحمد بن الحسن الشيرازي ، وأبو سعد بن الطيوري ، وأبو علي بن المهدي ، وأبو نصر محمد بن محمد بن محمد بن أحمد العكبري ، وأبو العز بن كادش ، وأبو المواهب أحمد بن محمد بن ملوك ، وهبة الله بن الحصين ، وأبو بكر محمد بن عبد الباقي الأنصاري ، وخلق كثير .

قال الخطيب مات صحيح العقل ، ثابت الفهم ، في ربيع الأول ، سنة خمسين وأربعمائة ، وله مائة وسنتان رحمه الله .

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة