الآداب والرقائق

مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين

أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ( ابن قيم الجوزية)

دار الكتاب العربي

سنة النشر: 1416 / 1996م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزءان

مسألة: الجزء الثاني
فصل

قال وأضعف الصبر : الصبر لله . وهو صبر العامة . وفوقه : الصبر بالله . وهو صبر المريدين . وفوقه : الصبر على الله . وهو صبر السالكين .

معنى كلامه : أن صبر العامة لله . أي رجاء ثوابه ، وخوف عقابه . وصبر المريدين بالله . أي بقوة الله ومعونته . فهم لا يرون لأنفسهم صبرا ، ولا قوة لهم عليه . بل حالهم التحقق ب " لا حول ولا قوة إلا بالله " علما ومعرفة وحالا .

وفوقهما : الصبر على الله . أي على أحكامه . إذ صاحبه يشهد المتصرف فيه . فهو يصبر على أحكامه الجارية عليه ، جالبة عليه ما جلبت من محبوب ومكروه . فهذه درجة صبر السالكين .

وهؤلاء الثلاثة عنده من العوام . إذ هو في مقام الصبر . وقد ذكر أنه للعامة وأنه من أضعف منازلهم .

هذا تقرير كلامه .

والصواب : أن الصبر لله فوق الصبر بالله ، وأعلى درجة منه وأجل . فإن الصبر لله متعلق بإلهيته . والصبر به : متعلق بربوبيته . وما تعلق بإلهيته أكمل وأعلى مما تعلق بربوبيته .

ولأن الصبر له : عبادة . والصبر به استعانة . والعبادة غاية . والاستعانة وسيلة . والغاية مرادة لنفسها ، والوسيلة مرادة لغيرها .

[ ص: 168 ] ولأن الصبر به مشترك بين المؤمن والكافر ، والبر والفاجر . فكل من شهد الحقيقة الكونية صبر به .

وأما الصبر له : فمنزلة الرسل والأنبياء والصديقين ، وأصحاب مشهد إياك نعبد وإياك نستعين .

ولأن الصبر له : صبر فيما هو حق له ، محبوب له مرضي له . والصبر به : قد يكون في ذلك وقد يكون فيما هو مسخوط له . وقد يكون في مكروه أو مباح ، فأين هذا من هذا ؟

وأما تسمية الصبر على أحكامه صبرا عليه . فلا مشاحة في العبارة بعد معرفة المعنى . فهذا هو الصبر على أقداره . وقد جعله الشيخ في الدرجة الثالثة ، وقد عرفت بما تقدم : أن الصبر على طاعته ، والصبر عن معصيته : أكمل من الصبر على أقداره - كما ذكرنا في صبر يوسف عليه السلام - فإن الصبر فيها صبر اختيار وإيثار ومحبة . والصبر على أحكامه الكونية : صبر ضرورة . وبينهما من البون ما قد عرفت .

وكذلك كان صبر نوح وإبراهيم وموسى عليهم الصلاة والسلام ، على ما نالهم في الله باختيارهم وفعلهم ، ومقاومتهم قومهم : أكمل من صبر أيوب على ما ناله في الله من ابتلائه وامتحانه بما ليس مسببا عن فعله .

وكذلك كان صبر إسماعيل الذبيح . وصبر أبيه إبراهيم عليهما السلام على تنفيذ أمر الله أكمل من صبر يعقوب على فقد يوسف .

فعلمت بهذا أن الصبر لله أكمل من الصبر بالله . والصبر على طاعته والصبر على معصيته أكمل من الصبر على قضائه وقدره . والله المستعان . وعليه التكلان . ولا حول ولا قوة إلا بالله .

فإن قلت : الصبر بالله أقوى من الصبر لله . فإن ما كان بالله كان بحوله وقوته . وما كان به لم يقاومه شيء . ولم يقم له شيء . وهو صبر أرباب الأحوال والتأثير . والصبر لله صبر أهل العبادة والزهد . ولهذا هم - مع إخلاصهم وزهدهم وصبرهم لله - أضعف من الصابرين به ، فلهذا قال : وأضعف الصبر : الصبر لله .

قيل : المراتب أربعة .

إحداها : مرتبة الكمال . وهي مرتبة أولي العزائم . وهي الصبر لله وبالله .

فيكون [ ص: 169 ] في صبره مبتغيا وجه الله ، صابرا به ، متبرئا من حوله وقوته . فهذا أقوى المراتب وأرفعها وأفضلها .

الثانية : أن لا يكون فيه لا هذا ولا هذا . فهو أخس المراتب ، وأردأ الخلق . وهو جدير بكل خذلان ، وبكل حرمان .

الثالثة : مرتبة من فيه صبر بالله . وهو مستعين متوكل على حوله وقوته . متبرئ من حوله هو وقوته . ولكن صبره ليس لله ، إذ ليس صبره فيما هو مراد الله الديني منه . فهذا ينال مطلوبه ، ويظفر به . ولكن لا عاقبة له . وربما كانت عاقبته شر العواقب .

وفي هذا المقام خفراء الكفار وأرباب الأحوال الشيطانية . فإن صبرهم بالله لا لله ، ولا في الله . ولهم من الكشف والتأثير بحسب قوة أحوالهم . وهم من جنس الملوك الظلمة . فإن الحال كالملك يعطاه البر والفاجر ، والمؤمن ، والكافر .

الرابع : من فيه صبر لله ، لكنه ضعيف النصيب من الصبر به ، والتوكل عليه ، والثقة به ، والاعتماد عليه . فهذا له عاقبة حميدة ، ولكنه ضعيف عاجز ، مخذول في كثير من مطالبه . لضعف نصيبه من إياك نعبد وإياك نستعين فنصيبه من الله : أقوى من نصيبه بالله . فهذا حال المؤمن الضعيف .

وصابر بالله ، لا لله : حال الفاجر القوي . وصابر لله وبالله : حال المؤمن القوي . والمؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف .

فصابر لله وبالله عزيز حميد . ومن ليس لله ولا بالله مذموم مخذول . ومن هو بالله لا لله قادر مذموم . ومن هو لله لا بالله عاجز محمود .

فبهذا التفصيل يزول الاشتباه في هذا الباب . ويتبين فيه الخطأ من الصواب . والله سبحانه وتعالى أعلم .

السابق

|

| من 1

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة