مرحباً بكم فى المكتبة الإسلامية على شبكة إسلام ويب

شروح الحديث

جامع العلوم والحكم

ابن رجب الحنبلي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر:  1422هـ / 2001م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: جزءان

الكتب » جامع العلوم والحكم » الحديث الخامس عشر من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت

مسألة: الجزء الأول
[ ص: 332 ] الحديث الخامس عشر

عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليقل خيرا أو ليصمت ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليكرم جاره ، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر ، فليكرم ضيفه رواه البخاري ومسلم .

الحاشية رقم: 2
الثاني مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث المؤمنين إكرام الجار ، وفي بعض الروايات : "النهي عن أذى الجار " فأما أذى الجار ، فمحرم فإن الأذى بغير حق محرم لكل أحد ، ولكن في حق الجار هو أشد تحريما ، وفي " الصحيحين " عن ابن مسعود ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل : أي الذنب أعظم ؟ قال : أن تجعل لله ندا وهو خلقك قيل : ثم أي ؟ قال : أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك قيل : ثم أي ؟ قال : أن تزاني حليلة جارك وفي " مسند [ ص: 344 ] الإمام أحمد " ، عن المقداد بن الأسود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تقولون في الزنا ؟ قالوا : حرام حرمه الله ورسوله ، فهو حرام إلى يوم القيامة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره ، قال : فما تقولون في السرقة ؟ قالوا : حرام حرمها الله ورسوله ، فهي حرام ، قال : لأن يسرق الرجل من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من جاره .

وفي " صحيح البخاري " ، عن أبي شريح ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، والله لا يؤمن ، قيل : من يا رسول الله ؟ قال : من لا يأمن جاره بوائقه ، وخرجه الإمام أحمد وغيره من حديث أبي هريرة .

وفي " صحيح مسلم " عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه .

وخرج الإمام أحمد ، والحاكم من حديث أبي هريرة أيضا قال : قيل : يا رسول الله إن فلانة تصلي بالليل ، وتصوم النهار وفي لسانها شيء تؤذي جيرانها سليطة ، قال : لا خير فيها ، هي في النار وقيل له : إن فلانة تصلي المكتوبة ، وتصوم رمضان ، وتتصدق بالأثوار ، وليس لها شيء غيره ، ولا تؤذي أحدا ، قال : هي في الجنة ولفظ الإمام أحمد : " ولا تؤذي بلسانها جيرانها " .

[ ص: 345 ] وخرج الحاكم من حديث أبي جحيفة قال : جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جاره ، فقال له : اطرح متاعك في الطريق قال : فجعل الناس يمرون به فيلعنونه ، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا رسول الله ، ما لقيت من الناس ، قال : وما لقيت منهم ؟ قال يلعنوني ، قال : فقد لعنك الله قبل الناس قال : يا رسول الله ، فإني لا أعود . وخرجه أبو داود بمعناه من حديث أبي هريرة ، ولم يذكر فيه : " فقد لعنك الله قبل الناس " .

وخرج الخرائطي من حديث أم سلمة ، قالت : دخلت شاة لجارة لنا ، فأخذت قرصة لنا ، فقمت إليها فأجتذبتها من بين لحييها ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه لا قليل من أذى الجار .

فأما إكرام الجار والإحسان إليه ، فمأمور به ، وقد قال الله عز وجل واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى [ ص: 346 ] والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا [ النساء : 36 ] ، فجمع الله تعالى في هذه الآية بين ذكر حقه على العبد وحقوق العباد على العباد أيضا ، وجعل العباد الذين أمر بالإحسان إليهم خمسة أنواع : أحدها : من بينه وبين الإنسان قرابة ، وخص منهم الوالدين بالذكر ؛ لامتيازهما عن سائر الأقارب بما لا يشركونهما فيه ، فإنهما كانا السبب في وجود الولد ولهما حق التربية والتأديب وغير ذلك .

الثاني : من هو ضعيف محتاج إلى الإحسان وهو نوعان : من هو محتاج لضعف بدنه ، وهو اليتيم ، ومن هو محتاج لقلة ماله ، وهو المسكين .

والثالث : من له حق القرب والمخالطة ، وجعلهم ثلاثة أنواع : جار ذو قربى ، وجار جنب ، وصاحب بالجنب .

وقد اختلف المفسرون في تأويل ذلك ، فمنهم من قال : الجار ذو القربى : الجار الذي له قرابة ، والجار الجنب : الأجنبي ، ومنهم من أدخل المرأة في الجار ذي القربى ، ومنهم من أدخلها في الجار الجنب ، ومنهم من أدخل الرفيق في السفر في الجار الجنب ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول في دعائه : أعوذ بك من جار السوء في دار الإقامة ، فإن جار البادية يتحول .

ومنهم من قال : الجار ذو القربى : الجار المسلم ، والجار الجنب : الكافر ، وفي " مسند البزار " من حديث جابر مرفوعا : " الجيران ثلاثة : جار له حق واحد ، وهو أدنى الجيران حقا ، وجار له حقان ، وجار له ثلاثة حقوق ، وهو أفضل الجيران حقا ، فأما الذي له حق واحد ، فجار مشرك ، لا رحم له ، له حق الجوار ، وأما [ ص: 347 ] الذي له حقان ، فجار مسلم ، له حق الإسلام وحق الجوار ، وأما الذي له ثلاثة حقوق ، فجار مسلم ذو رحم ، فله حق الإسلام ، وحق الجوار ، وحق الرحم " ، وقد روي هذا الحديث من وجوه أخرى متصلة ومرسلة ، ولا تخلو كلها من مقال .

وقيل : الجار ذو القربى : هو القريب الجوار الملاصق ، والجار الجنب : البعيد الجوار .

وفي " صحيح البخاري " عن عائشة ، قالت : قلت : يا رسول الله إن لي جارين ، فإلى أيهما أهدي ؟ قال : إلى أقربهما بابا .

وقال طائفة من السلف : حد الجوار أربعون دارا ، وقيل : مستدار أربعين دارا من كل جانب .

وفي مراسيل الزهري : أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو جارا له ، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه أن ينادي : " ألا إن أربعين دارا جار " وقال الزهري : أربعون هكذا ، وأربعون هكذا ، وأربعون هكذا ، وأربعون هكذا ، يعني ما بين يديه ومن خلفه ، وعن يمينه ، وعن شماله .

[ ص: 348 ] وسئل الإمام أحمد عمن يطبخ قدرا وهو في دار السبيل ، ومعه في الدار نحو ثلاثين أو أربعين نفسا : يعني أنهم سكان معه في الدار ، فقال : يبدأ بنفسه ، وبمن يعول ، فإن فضل فضل ، أعطي الأقرب إليه ، وكيف يمكنه أن يعطيهم كلهم ؟ قيل له : لعل الذي هو جاره يتهاون بذلك القدر ليس له عنده موقع ؟ فرأى أنه لا يبعث إليه .

وأما الصاحب بالجنب ، ففسره طائفة بالزوجة ، وفسره طائفة منهم ابن عباس بالرفيق في السفر ، ولم يريدوا إخراج الصاحب الملازم في الحضر وإنما أرادوا أن صحبة السفر تكفي ، فالصحبة الدائمة في الحضر أولى ، ولهذا قال سعيد بن جبير : هو الرفيق الصالح ، وقال زيد بن أسلم : هو جليسك في الحضر ، ورفيقك في السفر ، وقال ابن زيد : هو الرجل يعتريك ويلم بك لتنفعه .

وفي " المسند " والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه ، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره .

الرابع : من هو وارد على الإنسان ، غير مقيم عنده ، وهو ابن السبيل ، يعني المسافر إذا ورد إلى بلد آخر ، وفسره بعضهم بالضيف : يعني به ابن السبيل إذا نزل ضيفا على أحد .

والخامس : ملك اليمين ، وقد وصى النبي صلى الله عليه وسلم بهم كثيرا وأمر بالإحسان [ ص: 349 ] إليهم ، وروي أن آخر ما وصى به عند موته : " الصلاة وما ملكت أيمانكم " ، وأدخل بعض السلف في هذه الآية : ما يملكه الإنسان من الحيوانات والبهائم .

ولنرجع إلى شرح حديث أبي هريرة في إكرام الجار ، وفي " الصحيحين " عن عائشة وابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه .

فمن أنواع الإحسان إلى الجار مواساته عند حاجته ، وفي " المسند " عن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يشبع المؤمن دون جاره وخرج الحاكم من حديث ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس المؤمن الذي يشبع وجاره جائع وفي رواية أخرى عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ما آمن من بات شبعانا وجاره طاويا .

وفي " المسند " عن عقبة بن عامر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : أول خصمين يوم [ ص: 350 ] القيامة جاران .

وفي كتاب " الأدب " للبخاري عن ابن عمر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كم من جار متعلق بجاره يوم القيامة ، فيقول : يا رب هذا أغلق بابه دوني فمنع معروفه " .

وخرج الخرائطي وغيره بإسناد ضعيف من حديث عطاء الخراساني عن عمرو بن شعيب ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من أغلق بابه دون جاره مخافة على أهله وماله ، فليس ذلك بمؤمن ، وليس بمؤمن من لم يأمن جاره بوائقه . أتدري ما حق الجار ؟ إذا استعانك أعنته ، وإذا استقرضك أقرضته ، وإذا افتقر ، عدت عليه ، وإذا مرض عدته ، وإذا أصابه خير هنأته ، وإذا أصابته مصيبة عزيته ، وإذا مات اتبعت جنازته ، ولا تستطل عليه بالبناء ، فتحجب عنه الريح إلا بإذنه ، ولا تؤذه بقتار قدرك إلا أن تغرف له منها ، وإن اشتريت فاكهة ، فاهد له ، فإن لم تفعل ، فأدخلها سرا ، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده " [ ص: 351 ] ورفع هذا الكلام منكر ، ولعله من تفسير عطاء الخراساني .

وقد روي أيضا عن عطاء ، عن الحسن ، عن جابر مرفوعا : " أدنى حق الجوار أن لا تؤذي جارك بقتار قدرك إلا أن تقدح له منها " .

وفي " صحيح مسلم " عن أبي ذر قال : " أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم إذا طبخت مرقا ، فأكثر ماءه ، ثم انظر إلى أهل بيت جيرانك ، فأصبهم منها بمعروف " .

وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " يا أبا ذر إذا طبخت مرقة ، فأكثر ماءها ، وتعاهد جيرانك " .

وفي " المسند " والترمذي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه ذبح شاة ، فقال : هل أهديتم منها لجارنا اليهودي ثلاث مرات ، ثم قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : ما زال جبريل يوصيني بالجار ظننت أنه سيورثه " .

وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يمنعن أحدكم جاره أن يغرز خشبه في جداره ثم يقول أبو هريرة : مالي أراكم عنها معرضين ، [ ص: 352 ] والله لأرمين بها بين أكتافكم .


الحـــواشي 1  2  3  4  5  6  
السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة