الفتاوى

مجموع فتاوى ابن تيمية

تقي الدين ابن تيمية

مجمع الملك فهد

سنة النشر: 1416هـ/1995م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: سبعة وثلاثون جزءا

مسألة: الجزء الثالث عشر
[ ص: 389 ] وسئل عن قول النبي صلى الله عليه وسلم " { أنزل القرآن على سبعة أحرف } " ما المراد بهذه السبعة ؟ وهل هذه القراءات المنسوبة إلى نافع وعاصم وغيرهما هي الأحرف السبعة أو واحد منها ؟ وما السبب الذي أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف ؟ وهل تجوز القراءة برواية الأعمش وابن محيصن وغيرهما من القراءات الشاذة أم لا ؟ وإذا جازت القراءة بها فهل تجوز الصلاة بها أم لا ؟ أفتونا مأجورين .

الحاشية رقم: 2
وأما قول السائل : ما السبب الذي أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف ؟ فهذا مرجعه إلى النقل واللغة العربية لتسويغ الشارع لهم القراءة بذلك كله إذ ليس لأحد أن يقرأ قراءة بمجرد رأيه ; بل القراءة سنة متبعة وهم إذا اتفقوا على اتباع القرآن المكتوب في المصحف الإمامي وقد قرأ بعضهم بالياء وبعضهم بالتاء لم يكن واحد منهما خارجا عن المصحف .

[ ص: 400 ] ومما يوضح ذلك أنهم يتفقون في بعض المواضع على ياء أو تاء ويتنوعون في بعض كما اتفقوا في قوله تعالى { وما الله بغافل عما يعملون } في موضع وتنوعوا في موضعين وقد بينا أن القراءتين كالآيتين فزيادة القراءات كزيادة الآيات ; لكن إذا كان الخط واحدا واللفظ محتملا كان ذلك أخصر في الرسم .

والاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب لا على المصاحف كما في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " { إن ربي قال لي أن قم في قريش فأنذرهم . فقلت : أي رب إذا يثلغوا رأسي - أي يشدخوا - فقال : إني مبتليك ومبتل بك ومنزل عليك كتابا لا يغسله الماء تقرؤه نائما ويقظانا فابعث جندا أبعث مثليهم وقاتل بمن أطاعك من عصاك وأنفق أنفق عليك } " فأخبر أن كتابه لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تغسل بالماء ; بل يقرؤه في كل حال كما جاء في نعت أمته : " أناجيلهم في صدورهم " بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ولا يقرءونه كله إلا نظرا لا عن ظهر قلب .

وقد ثبت في الصحيح أنه جمع القرآن كله على عهد النبي صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة كالأربعة الذين من الأنصار وكعبد الله بن عمرو فتبين بما ذكرناه أن القراءات المنسوبة إلى نافع [ ص: 401 ] وعاصم ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها وذلك باتفاق علماء السلف والخلف .

وكذلك ليست هذه القراءات السبعة هي مجموع حرف واحد من الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها باتفاق العلماء المعتبرين ; بل القراءات الثابتة عن أئمة القراء - كالأعمش ويعقوب وخلف وأبي جعفر يزيد بن القعقاع وشيبة بن نصاح ونحوهم - هي بمنزلة القراءات الثابتة عن هؤلاء السبعة عند من ثبت ذلك عنده كما ثبت ذلك .

وهذا أيضا مما لم يتنازع فيه الأئمة المتبوعون من أئمة الفقهاء والقراء وغيرهم وإنما تنازع الناس من الخلف في المصحف العثماني الإمام الذي أجمع عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعون لهم بإحسان والأمة بعدهم هل هو بما فيه من القراءات السبعة وتمام العشرة وغير ذلك هل هو حرف من الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها ؟ أو هو مجموع الأحرف السبعة على قولين مشهورين . والأول قول أئمة السلف والعلماء والثاني قول طوائف من أهل الكلام والقراء وغيرهم وهم متفقون على أن الأحرف السبعة لا يخالف بعضها بعضا خلافا يتضاد فيه المعنى ويتناقض ; بل يصدق بعضها بعضا كما تصدق الآيات بعضها بعضا .

[ ص: 402 ] وسبب تنوع القراءات فيما احتمله خط المصحف هو تجويز الشارع وتسويغه ذلك لهم ; إذ مرجع ذلك إلى السنة والاتباع لا إلى الرأي والابتداع .

أما إذا قيل : إن ذلك هي الأحرف السبعة فظاهر وكذلك بطريق الأولى إذا قيل : إن ذلك حرف من الأحرف السبعة فإنه إذا كان قد سوغ لهم أن يقرءوه على سبعة أحرف كلها شاف كاف مع تنوع الأحرف في الرسم ; فلأن يسوغ ذلك مع اتفاق ذلك في الرسم وتنوعه في اللفظ أولى وأحرى وهذا من أسباب تركهم المصاحف أول ما كتبت غير مشكولة ولا منقوطة ; لتكون صورة الرسم محتملة للأمرين كالتاء والياء والفتح والضم وهم يضبطون باللفظ كلا الأمرين ويكون دلالة الخط الواحد على كلا اللفظين المنقولين المسموعين المتلوين شبيها بدلالة اللفظ الواحد على كلا المعنيين المنقولين المعقولين المفهومين ; فإن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم تلقوا عنه ما أمره الله بتبليغه إليهم من القرآن لفظه ومعناه جميعا كما قال أبو عبد الرحمن السلمي - وهو الذي روى عن عثمان رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " { خيركم من تعلم القرآن وعلمه } " كما رواه البخاري في صحيحه وكان يقرئ القرآن أربعين سنة . قال - حدثنا الذين كانوا يقرئوننا عثمان بن عفان وعبد الله بن مسعود وغيرهما : أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم عشر آيات لم يجاوزوها حتى [ ص: 403 ] يتعلموا ما فيها من العلم والعمل . قالوا : فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا .

ولهذا دخل في معنى قوله : " { خيركم من تعلم القرآن وعلمه } " تعليم حروفه ومعانيه جميعا ; بل تعلم معانيه هو المقصود الأول بتعليم حروفه وذلك هو الذي يزيد الإيمان كما قال جندب بن عبد الله وعبد الله بن عمر وغيرهما : تعلمنا الإيمان ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانا وأنتم تتعلمون القرآن ثم تتعلمون الإيمان .

وفي الصحيحين عن حذيفة قال : حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر حدثنا " { أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ونزل القرآن } " وذكر الحديث بطوله ولا تتسع هذه الورقة لذكر ذلك . وإنما المقصود التنبيه على أن ذلك كله مما بلغه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الناس .

وبلغنا أصحابه عنه الإيمان والقرآن حروفه ومعانيه وذلك مما أوحاه الله إليه كما قال تعالى : { وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا } وتجوز القراءة في الصلاة وخارجها بالقراءات الثابتة الموافقة لرسم المصحف كما ثبتت هذه القراءات وليست شاذة حينئذ . والله أعلم .


الحـــواشي 1  2  
السابق

|

| من 2

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة