مرحباً بكم فى موسوعة الحديث الشريف على شبكة إسلام ويب

الكتب » أنساب الأشراف للبلاذري » أمر يزيد بن المهلب وقصته قبل ولاية يزيد بن عبد الملك ...

من بدل دينه فاقتلوه
السابق

|

| من 1

وقدم يزيد واسطا في ستة عشر ألفا ، وشخص معه بعدي بن أرطاة ومن حبسه معه ، وتكلم الناس فعظموا أمر أهل الشام ، فخطبهم ، فقال : رأيت ارتجاس هذا العسكر ، بقولهم : جاء مسلمة ، وجاء العباس ، وجاء أهل الشام.

وما أهل الشام ، هل هم إلا تسعة أسياف ، سبعة منها لي وسفيان علي ؟ وما مسلمة ؟ جرادة صفراء ، وما العباس ؟ نسطوس بن نسطوس أتاكم في برابرة ، وجرامقة ، وجراجمة ، وأنباط ، وأبناء فلاحين ، وأوباش أخلاط كأشلاء اللحم ، وأقباط ، أليس لكم جنن كجننهم ، أو ليسوا بشرا يألمون كما تألمون ، وترجون من الله ما لا يرجون ، فأعيرواني سواعدكم ساعة تصفعون بها خراطيمهم.

وكان خالد بن صفوان هرب من البصرة ، فلقيه يزيد بواسط ، وكانت بوجهه بثرة عليها دواء ، فاستأذنه ، وقال : إنه وصف لي شرب التيادر بطوس ، فأذن له ، فتنحى.

وقال يزيد بن الحكم بن أبي العاص أو غيره : أبا خالد قد هجت حربا فلا تقم وقد شمرت حرب عوان فشمر فقال يزيد حين بلغه هذا البيت : قد كان ذاك وإن بني مروان قد زال ملكهم فإن كنت لم تشعر بذلك فاشعر فعش ملكا أو مت كريما وإن تمت وسيفك مشور بكفك تعذر فقال يزيد : أما هذا فنعم.

وقال عطية بن السائب الشني : أبا خالد إن المنايا مطلة فمت صابرا قدما كما مات مصعب ولا تقبلن خسفا فما من سعادة لمن عاش مذموما يلام ويقضب فلما سمع يزيد ، قوله : كما مات مصعب.

قال : صدق فوك.

ووجه يزيد إخوته يرتادون له موضعا للمعسكر ، فاختاروه بالعقر ، فخلف على واسط ابنه معاوية بن يزيد ، وخلف عدي بن أرطاة ومن حبس معه عنده ، وسار يزيد حتى نزل معسكره بالعقر بين المدائن والكوفة وهو من سوراء ، وأتاه ناس من أهل الكوفة يعينونه.

ونزل عبد الحميد بن عبد الرحمن النخيلة ، وبثق الأنهار لئلا يصل أحد إلى الكوفة ، وبعث مع سند بن هانئ الهمذاني جيشا إلى مسلمة ليقاتلوا ابن المهلب معه ، وقال الفرزدق : هلا زجرت الطير إن كنت زاجرا غداة نزلت العقر إنك تعقر ولما قرب أهل الشام منه وجه أخاه محمدا ، وكان يسمى المشؤوم ، وابنه المعارك ، في جمع كثيف ، فلقوا العباس بن الوليد بسوراء وهو في أربعة آلاف سوى من صار إليه من أهل البصرة مخالفين ليزيد ، فالتقوا فانكشف أهل الشام ، وصبر هريم بن أبي طحمة وأهل البصرة ، فناداهم هريم : يا أهل الشام لا تسلمونا ، فعطفوا ، وأقدم هريم ، وهو يقول : لما رأوني في الكتيبة معلما أغشى الكريهة مثل ضوء الكوكب فاستيقنوا مني بضرب صادق ليست عداوتنا كبرق خلب فهزموا أصحاب يزيد حين بلغوا إليه ، فقال الفرزدق : أحل هريم يوم سوراء بالقنا نذور نساء من تميم فحلت وقال محمد بن المهلب ليزيد : لو وجهت إليهم خيلا فحركتهم.

فعقد يزيد لعبد الله بن حيان العبدي على أربعة آلاف ، وضم إليه فضيل بن هناد الأزدي ، ثم الفراصي في خيل ، وضم إليه سالما المنتوف في خيل ، وصيره على خيل بكر بن وائل فعبروا الصراة ، ووجه إليهم مسلمة سعيد بن عمرو بن أسود بن مالك بن كعب بن وقدان بن الحريش بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة في أربعة آلاف ، وكان لأهل الشام كمين فاقتتلوا ، فقتل عبد الله بن حيان ، وفارس ، من أصحاب فضيل بن هناد ، وجال أهل العراق ، وخرج كمين أهل الشام عليهم عند جولتهم ، فكانت الهزيمة فلم يلووا على أحد حتى أتوا يزيد ، وعثر بسالم المنتوف فرسه فصرع ، فأخذوه أسيرا ، فقال لمسلمة : استبقني لقتال الروم.

فقال : يابن اللخناء ، طالما كفيناك قتال الروم وكفاناهم الله قبلك.

وأمر به فقتل ، فقال موسى بن حكيم السعدي : وبالمنتوف عبدكم فخرتم فهلا بالصراة حمى الذمارا ثم عبر مسلمة الصراة ، وخلف الأثقال ، وخندق خندقين ، فقال المهلب بن العلاء بن أبي صفره : إن هؤلاء قد خندقوا خندقا بعد خندق ، ولا آمن من يصلوا بخندقهم إلى خندقنا فعاجلهم ، فضحك يزيد ، وقال : إن وصلوا فمه ، فما أظن العسكرين ضما رجلًا أضعف قلبا منك.

فقال حبيب بن المهلب : أما والله إنك لتعرفه بغير الجبن ، وقد أشار عليك بالرأي ورماك به ، فبيتهم وعاجلهم.

فهم يزيد بذلك ، فقال بعض من معه من القراء : لا يحل لنا أن نبيتهم حتى ندعوهم ، فأقاموا أياما ثم التقوا.

قالوا : ولما كان اليوم الذي قتل فيه يزيد ، وهو يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من صفر ، سنة اثنتين ومائة ، خرج منسر لأهل الشام ، ومنسر لأهل العراق فتهايجوا ، فسمع يزيد ضجة ، فقال : ما هذا ؟ فقيل : الناس يقتتلون.

فدعا يزيد بدرعه وثيابه فلبسها وخرج ، ووضع له كرسي على باب خندقه ، ووضع لمحمد كرسي آخر وجعلا يتحدثان ، وقد كانت أصابت يزيد خلفه قبل ذلك فضعف ، فأمر الناس فتقدموا ، وعلى ميمنته حبيب بن المهلب ، وعلى الميسرة المفضل بن المهلب ، والراية مع المهلب بن العلاء ، وركب محمد فرسه فلحق بهم ، فصار ومن معه على حاميتهم.

وزحف أهل الشام ، وفي ميمنتهم الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي ، وفي الميسرة القعقاع بن خليل بن جزي العبسي ، ويقال الوليد بن تليد العبسي ، والوضاح البربري مولى عبد الملك في الوضاحية ، ولوضاح هذا يقول جرير بن عطية : لقد جاهد الوضاح بالحق معلما فأورث مجدا باقيا أهل بربرا فاقتتلوا وصبر الناس ، فقال مسلمة للوضاح : انطلق إلى جسر الصراة فأحرقه ، وأحرق السفن التي في الصراة.

فأحرق الجسر وبعض السفن ، فلما رأوا النار اضطرب عسكر يزيد ، فقال يزيد : ما للناس ؟ قيل : انهزموا.

قال : ولم ؟ قيل : أحرق الجسر.

فقال : لعنهم الله رعاج نفخ فطار ، بئس حشو الكتيبة والعسكر ، كأنهم غنم شد في ناحيتها ذئب.

وصبر أهل الحفاظ ، وفقئت عين المفضل ، وجاء محمد وقد ضرب على جبهته ، بعمود فقال له يزيد : من ضربك ؟ قال : لا أدري ، إلا أنه قال حين ضربني : أنا الغلام الحرشي.

فظننته سعيد بن عمرو الحرشي.

وكان يزيد جالسا على كرسيه ينقل من مكان إلى مكان ، ووضع على نشز من الأرض ، فنظر ، فإذا فرس حبيب بن المهلب قد جاء غائرا ، فقال : هذا والله فرس أبي بسطام ولا أحسبه إلا قد قتل.

وقال له بعض من معه : إني لأظنه كما قلت وأنت تشم التفاح ، وكان معه تفاحة يشمها لضعفه.

فدعا يزيد بفرسه الأشقر ، ثم ذكر قول القائل في الأشقر : إن تقدم نحر ، وإن تأخر عقر ، فتطير.

وقال : ائتوني بفرسي الأشهب.

فأتي به ، فركبه وحمل ، فلما توسط المعركة لقيه القحل بن عياش بن حسان بن سمير بن شراحيل بن عزين من ولد زهير بن جناب الكلبي ، فاختلفا ضربتين ، فقتل كل واحد منهما صاحبه ، وله يقول المسيب بن رفل بن حارثة بن جناب بن قيس بن أبي جابر بن زهير بن جناب الكلبي : قتلنا يزيد بن المهلب بعدما تمنيتم أن يغلب الحق باطله وما كان في أهل العراق منافق عن الدين إلا من قضاعة قاتله تخلله فحل بأبيض صارم حسام جلا عن شفرتيه صياقله وقال أبو مخنف : جلس مسلمة على تل وحوله حماة أهل الشام ، وقصد أصحاب يزيد التل ، فلما رآهم مقبلين انحدر ، وركب يزيد فرسا له أشهب وقاتل ، فصدم أهل الشام أهل العراق صدمة منكرة ، واختلط الناس ، وفقد يزيد.

فقال المهلب بن العلاء : ويحكم اطلبوا محمد بن المهلب ، فإن فيه خلفا من يزيد إن كان يزيد قتل ، فطلب يزيد فلم يوجد ، فألقى ابن العلاء اللواء وخنس في الناس ودخل أهل الشام عسكر يزيد فأسروا ثلاث مائة ، فسمي ذلك اليوم يوم التل ، ويوم العقر ، لأن مسلمة كان على تل ، فلما أقبل الناس نحوه نزل عنه.

وقتل في المعركة يزيد بن المهلب ، وحبيب ، ومحمد بنو المهلب ، وعبد ربه ، والحجاج بنو يزيد بن المهلب ، وحرب بن محمد.

وقال قوم من قيس : قتل يزيد الهذيل بن زفر بن الحارث الكلابي ، وقيل للهذيل : أنزل.

فاحتز رأسه فأنف ، وقال : أنا أنزل فأحتز رأسه ؟ استنكافا.

وقدم فل يزيد بن المهلب واسطا على معاوية بن يزيد بن المهلب ، فقدم عدي بن أرطاة ومن في الحبس معه فقتلهم ، وأراد قتل نساء آل المهلب لئلا يؤسرون ، فأغلقن الباب دونه ، فقال : أولى ، أما والله لو ظفرت بكن ما أبقيت منكن واحدة ، والله أولى بالعذر.

ومضى معاوية إلى البصرة ، وتحمل منها ، ففي ذلك ، يقول ثابت قطنة : وما سرني قتل الفزاري وابنه عدي ولا أحببت قتل ابن مسمع ولكنها كانت معاوي زلة وضعت بها أمرًا على غير موضع وكان الذين قتل معاوية بن يزيد بن المهلب : عدي بن أرطاة ، وعبد الله بن عروة النصري ، وابني مسمع.

وقال أبو الحسن المدائني : لما قتل يزيد جاء قوم ، يقولون : جاء الفتح.

ثم جاءت حقيقة الخبر ، فقتل معاوية بن يزيد وهو على واسط عديا ، وجميع من كان معه ، وكان عدي ، قال ليزيد : استبقني فهو خير لك ، فقال له : إني لخليق أن أشدك بالحديد ، وأضعك بيني وبين أهل الشام.

فقال : إذا لا يمنعهم ذلك من الإغراق في النزع.

قال : وأسر من أصحاب يزيد في المعركة ألفان وثمان مائة ، فبعث بهم مسلمة بن عبد الملك من العقر إلى ذي الشامة محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية ، وكان عامله على الكوفة.

وحدثني حفص بن عمر المعروف بالعمري ، عن الهيثم بن عدي ، عن ابن عياش ، وأخبرني الأثرم ، عن أبي عبيدة وقرأت على المدائني ، قالوا : لما قتل يزيد وأتى برأسه ورءوس أصحابه إلى مسلمة ، أرسل بها مسلمة والعباس بن الوليد مع عذام بن شتير الضبي إلى يزيد بن عبد الملك وافدا وبشيرا ، وبعث برأس يزيد خاصة مع محمد بن عمر المخزومي ، فلما وردت الرءوس على يزيد بن عبد الملك سجد ، ودعا بحجام ، فأخذ من ناصيته ونواصي من حضره ، وكان ابن شهاب الزهري فيمن حضره ، وكان أصلع شديد الصلع ، فأخذ الحجام شعرات من قفاه.

وأقطع يزيد بن عبد الملك محمد بن عمر المخزومي مهلبان ، وأقطع عذام بن شتير أرض زياد بن المهلب ، وقال الفرزدق : لولا دفاعك يوم العقر ضاحية عن العراق ونار الحرب تلتهب لولا دفاعك عنهم عارضا لجبا لأصبحوا عن جديد الأرض قد ذهبوا لما التقوا وجنود الشام فاجتلدوا بالمشرفية فيها الموت والحرب خلوا يزيد فتى المصرين منجدلا بالعقر منهم ومن ساداتهم عصب حامي سنان عليه في كتيبته وأسلمته هناك العجم والعرب سنان مولى بني مسمع ، كان صبر في أربع مائة من القراء.

قالوا : وكان سعيد بن عمرو الحرشي ، قال قبل القتال لمسلمة بن عبد الملك : إن محمدا كان لي ودا ، فلو أذنت لي فلقيته فأعطيته أمانا ، لعله يصرف يزيد عن رأيه .

قال : فسر إليه فأعطهم جميعا الأمان.

فدنا سعيد بن عمرو من عسكرهم ، ونوه بمحمد ، فأتاه ، فقال : يا أبا حرب ، أعن رأي ملئكم كان هذا ؟ قال : إن يزيد خاف على نفسه ، ففعل ما ترى ، فأمنه.

فأبى يزيد قبول الأمان.

وقال أبو الحسن المدائني : نظر الحسن بن أبي الحسن إلى النضر بن أنس بن مالك ، أو موسى بن أنس ، وهو يقول : أيها الناس ، ما تنقمون من أن يقام لكم كتاب الله.

فقال الحسن : وهذا ابن أنس قد شمر ، قاتل الله ابن المهلب ، اطرقي وميشي ، خرقاء وجدت صوفا.

الطرق : الضرب ، ومنه قيل : مطرقة الصانع ، ومطرقة النجار وهي عوده.

والميش : خلط الشعر بالصوف ، ميشت ، أميش ، ميشا.

وهذا مثل سائر.

ومن رواية أبي مخنف أن يزيد قام فحرض الناس على القتال ، فقال : إن هؤلاء قوم لن يردعهم عن غيهم إلا الطعن في أعينهم ، والضرب على هامهم ، إنه ذكر لي أن هذه الجرادة الصفراء ، يعني : مسلمة ، وعاقر الناقة نسطوس بن نسطوس ، يعني : العباس ، الذي كان سليمان بن عبد الملك عزم على نفيه ، فكلمته فيه حتى أقره على نسبه ، ليس يهمهما إلا تشريدي في الأرض ، ولو جاؤوا بأهل الأرض جميعا ما برحت العرصة حتى تكون لي أو لهم ، فقيل له : إنا نخاف أن تصنع كما صنع ابن الأشعث.

قال : أن ابن الأشعث فضح الذمار وفضح حسبه ، هل كان يخاف أن يفوت أجله.

المدائني ، عن رجل ، عن ابن عياش ، عن جعفر بن سليمان الأزدي ، قال : لما انتهى يزيد إلى سوراء من أرض بابل نزل العقر.

فقال : ما اسم هذا المنزل ؟ قيل : العقر ، قال : إنا لله وإنا إليه راجعون.

وتطير ، ثم دعا بدرعه فصبها عليه وتقلد بسيفه ، ثم دعا بقباء محشو فلبسه ، ثم دعا إسماعيل بن عطارد ، فقال : حدثني عن ابن الأشعث.

قال : هزم من الزاوية.

فأتى دير الجماجم فهزم ، فأتى المدائني فهزم ، فأتى مسكن وهي عند دجيل الأهواز فهزم ، فأتى جنديسابور فهزم ، فأتى سابور.

فقال يزيد : سوءة له ، أما استطاع أن ينغمس في الموت ثم يغمض إغماضة ، فوالله ما هي إلا رقدة إلى يوم القيامة.

فعلم أنه وطن نفسه على أنه لا يبرح حتى يموت ، وتمثل بقول الشاعر : بأست امرئ لم يطب نفسا بميتته إن الكرام على ما نابهم صبر فلما التقوا أغمض كما قال حتى قتل.

قال : ولما لبس سلاحه ، دخلت عليه جاريته بسامة ، وكانت من أحب الناس إليه ، وقد تهيأت وتلبست ، وقالت : السلام عليك يا أمير المؤمنين.

فكرة ذلك كراهة شديدة ، وتبسم ، وقال : رويدك حتى تنظري عم تنجلي غمامة هذا العارض المتألق ثم خرج ، فقال لدارس : كن قريبا.

ثم أطاف على رايات أهل الشام يسأل عن راية راية منها ، فقال : أوه ، يقاتلني بقومي من لا قوم له.

وقال أبو مخنف : لما قتل يزيد وانهزم الناس كان المفضل يقاتل أهل الشام ، وهو لا يعرف خبر يزيد ، ولا أنه قد قتل ، وأن الناس انهزموا ، وإنه لعلى برذون له سمند قريب من الأرض ، وأماماه مجففة ، كلما حمل عليهم انكشفوا ، فيحمل ثم يرجع ، حتى يكون من وراء أصحابه ، وكان لا يلتفت من أصحابه أحد ، إلا قال له : لا تلتفت ، وأقبل بوجهك على عدوك.

وجعل عامر بن العميثل الأزدي يضرب بسيفه ، ويقول : قد علمت أم الصبي المولود أني بنصل السيف غير رعديد وانكشف جل ربيعة ، فناداهم المفضل : الكرة ، الكرة يا معشر ربيعة ، نفسي لكم الفداء ، اصبروا ساعة فما كنتم بكشف ولا لئام ، وما الفرار لكم بعادة ، ولا يؤتين أهل العراق من قبلكم.

فبينا هو كذلك ، إذ قيل له : ما تصنع ههنا وقد قتل يزيد ، وحبيب ، ومحمد ، وانهزم الناس ؟ فتفرق من مع المفضل ، وأخذ المفضل الطريق إلى واسط ، وجاء أهل الشام إلى عسكر يزيد بن المهلب.

وقال أبو الحسن المدائني : قال أبو اليقظان : لما قتل يزيد أقبل عبد الملك إلى المفضل ، فكره أن يخبره بقتل يزيد فيستقتل ، وقال : إن الأمير قد انحدر إلى واسط ، فانحدر المفضل بمن بقي من ولد المهلب إلى واسط ، فلما علم بقتل يزيد حلف ألا يكلم عبد الملك أبدا ، فما كلمه حتى قتل بقندابيل.

قال : وكانت عين المفضل فقئت في الحرب ، فقال : فضحني عبد الملك آخر الزمن ، وما عذري عند الناس إذا نظروا إلى شيخ أعور مهزوم ، ألا صدقتني فقتلت كريما ؟ وقال المفضل : لا خير في طعن الصناديد بالقنا ولا في لقاء الحرب بعد يزيد وقال هشام بن محمد الكلبي ، عن أبيه محمد بن السائب : قتل يزيد بن المهلب يوم التل القحل بن عياش ، واسم القحل عمرو ، وقتله يزيد أيضا ضرب كل واحد منهما صاحبه.

وقال المدائني : يقال : إن الهذيل بن زفر قتل يزيد ، وأن القحل احتز رأسه ، وجاء به إلى مسلمة.

والخبر الأول أثبت.

المدائني ، عن سحين بن حفص : أن يزيد بن عبد الملك لما قدم عليه برأس يزيد بن المهلب ورءوس من قتل معه من أهل بيته ، أمر أن يطاف بها في أجناد الشام ، وكان الذي عرفهم الرءوس الحواري بن زياد بن عمرو العتكي.

وبادر العباس بن الوليد فوجه بالبشارة إلى يزيد بن عاتكة عذام بن شتير ، قبل أن يوجه بها مسلمة أحد.

وقال الهيثم بن عدي : قال ابن عياش ، وعوانة : نزل يزيد العقر من سوراء ومعه ثلاثة آلاف من الأباضية ، عليهم جعفر بن شيمان الأزدي ، فقال يزيد : يا دارس ، كن مني قريبا.

وتقدم محمد بن المهلب فأنشب الحرب ، وكان مشؤوما ، فقتل أهل الشام من الأباضية نحو من ألفين ، وعطفوا على يزيد فقاتل فقتل ، وطلبه أصحابه فلم يقدروا عليه ، وأصيب دارس مقتولا ، ونظروا فإذا في وجه يزيد وصدره نحو من عشرين ضربه وطعنة ، واحتزوا رأسه.

وعمد معاوية بن يزيد بن المهلب وهو على واسط ، فقتل عديا ومن حبس معه من الأسارى ، فقال ثابت بن قطنة الأزدي : ما سرني قتل الفزاري وابنه عدي ولا أحببت قتل ابن مسمع ولكنها كانت معاوي زلة وضعت بها أمرا على غير موضع وأسر من أصحاب يزيد في المعركة وممن كان في عسكره ألفان وثمان مائة رجل ، فبعث بهم مسلمة من العقر إلى ذي الشامة محمد بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط ، وكان عامله على الكوفة ، وعلى شرطه بالكوفة العريان بن الهيثم ، فقال ذو الشامة للعريان : لست من هؤلاء في شيء فشأنك بهم.

فميزهم ، فقال : يا أهل اليمن ، أنتم الشعار دون الدثار ، وأنتم معشر ربيعة الإخوة والحلفاء ، وأما هؤلاء يعني بني تميم ، فأعدى الأعداء.

فكان يخرج في كل يوم عشرين من بني تميم ، فيضرب أعناقهم حتى قتل منهم ثمانين ومائة ، ويقال : قتل منهم خمسين ومائة ، ويقال : قتل عشرين ومائة ، فقال حاجب بن ذبيان المازني : رأيت المعيطيين خاضوا دماءنا بغير دم حتى انتهى بهم الوحل فما حمل الأقوام أثقل من دم حرام ولا ذحل إذا اتبع الذحل حقنتم دماء المصلتين عليكم وحر على فرسان غيرهم القتل وقي بهم العريان فتيان قومه فيا عجبا أين الأمانة والعدل في أبيات : وكان قتل يزيد في سنة اثنتين ومائة.

وقال أبو محنف : أسر من عسكر يزيد بن المهلب ثلاث مائة رجل ، فسرح بهم مسلمة إلى محمد بن عمرو بالكوفة ، وجاء كتاب يزيد بن عاتكة إلى مسلمة بقتل الأسارى ، فأمر محمد بن عمرو بذلك ، فقال للعريان : أخرجهم عشرين عشرين.

فقام قوم من بني تميم ، فقالوا : نحن انهزمنا بالناس ، فابدأوا بنا قبل الناس.

فما هو إلا أن فرغ من قتلهم حتى جاء كتاب مسلمة بالكف عن قتلهم ، فكان العريان ، يقول : والله ما أردتهم.

حتى قالوا : ابدأوا بنا.

وقال المدائني : كانت هزيمة أصحاب يزيد من قبل الوضاحية ، والوضاح مولى عبد الملك بن مروان ، كانت معه خيل مفردة.

قالوا : ولما وصل رأس يزيد بن المهلب إلى يزيد بن عبد الملك بعث به إلى امرأته أم الحجاج بنت محمد بن يوسف التي عذبها ، وكلمه يزيد بن عبد الملك فيها ، فلم يجبه إلى ما سأله في أمرها ، فبصقت في وجهه ، وقالت : أراك شيخا أحمق تطلب الباطل.

فقال يزيد بن عبد الملك : والله ما أشبهت أم الحجاج ، أمي عاتكة بنت يزيد حين أتيت برأس الحسين بن علي ، فأراد الرسول أن يضعه على الأرض فشتمته ودعت بوسادة فوضع عليها ، ثم غسلته وطيبته.

وقال المدائني ، وغيره : خرج مروان بن المهلب من البصرة هاربا ، وخلاها ، فوثب عليها شبيب بن الحارث المازني فأخذها ، ودعا ليزيد بن عبد الملك ، وصلى بالناس حتى قدم عبد الرحمن بن سليم الكلبي من قبل مسلمة.

وكان جيهان بن محرز نازع شبيبا فيها ، فقهره شبيب ببني مازن ، وكان جيهان قاتل مع عدي بن أرطاة.

وقام عطاء مولى بني شقرة واسم شقرة معاوية بن الحارث بن تميم ، وكان عطاء أعور ، فجعل يقول : جاءكم الأمان.

فقال الشاعر : أليس عجيبا بحق الإله قيام عطاء على المنبر يخبر عنهم بأخبارهم وما خبر الكاذب الأعور المدائني ، عن الربيع بن صبيح ، قال : جاءتنا هزيمة يزيد بن المهلب ومقتله ، فلما كان نصف النهار ، قال أبو نضرة : من يصلي بالناس ؟ وخرج شبيب بن الحارث إلى الأبلة ، وأمر الحسن أن يصلي بالناس ، فقال أنس : إني عليل.

فغضب أبو نضرة ، وقال : يا سبحان الله ، تأتي جمعة لا يصلي فيها بمصر من أمصار المسلمين.

ودخل على الحسن ، فقال له : إن الناس لا يصلون حتى تخرج.

فإذا الحسن قد جاء معتمدا على رجل ، فقام على الأرض ، فخطب ، وقرأ في خطبته : يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ سورة الزمر آية 53 ، ولم يقعد في الخطبة ، ثم أقام المؤذنون ، فقرأ : الجمعة ، وسبح اسم ربك الأعلى.

قالوا : وصلب مسلمة بن عبد الملك جثة يزيد بن المهلب ، وعلق معه خنزيرا ، ومرديا ، وزق خمر ، وسمكة.

حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي ، ثنا أبو داود الطيالسي ، ثنا الحكم بن عطية ، قال : سمعت الحسن سئل ، عن قول الله : زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا سورة الأنعام آية 112 ، فقال : ألم تروا إلى عدو الله ابن المهلب يدعوا إلى كتاب الله وسنة نبيه ، وقد نبذهما وراء ظهره.

حدثني العمري ، عن الهيثم بن عدي ، عن أبي بكر الهذلي ، قال : كنا عند الحسن فذكر يزيد ، فقال : عجبا لهذا الحمار النهاق ، يدعو زعم إلى كتاب الله وسنة نبيه وقد نبذها وراء ظهره ، اللهم اصرع ابن المهلب صرعة تجعله بها نكالا لما بين يديه وما خلفه وموعظة للمتقين ، واعجبا لهذا الحمار النهاق بينا هو يضرب أعناقا بالأمس تقربا إلى بني أمية ، إذ رأى منهم نبوة وأصابته جفوة ، فنصب قصبا عليها خرق ، ثم قال : أدعوكم إلى السنة ، ألا وإن من السنة أن تجعل رجلاه في قيد ، ويجعل حيث جعله عمر بالأمس .1

السابق

|

| من 3

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة