مرحباً بكم فى موسوعة الحديث الشريف على شبكة إسلام ويب

اعلم أنه يعز علينا شرح هذه الأمور ؛ لوجهين : أحدهما أن كتمانها وسترها أولى من إظهارها وكشفها ؛ لما فِي ذلك من فتح الأذهان لما هي غافلة عنه ، مما لا ينبغي التفطن له.

والثاني : ما يدعو إليه كشفها من تبيين معرة أقوام ، وكشف عوارهم ، وقد كان الصمت أزين ، ولكن ما رأينا المبتدعة تشمخ بآنافها ، وتزيد وتنقص على حسب أغراضها وأهوائها ، تعين لذلك ضبط الحال وكشفه مع مراعاة النصفة ، فنقول : كان الأستاذ أَبُو بَكْر بْن فورك كما عرفناك شديدا فِي اللَّه ، قائما فِي نصرة الدين ، ومن ذلك أنه فوق نحو المشبهة الكرامية سهاما ، لا قبل لهم بها ، فتحزبوا عليه ، ونموا غير مرة ، وهو ينتصر عليهم ، وآخر الأمر أنهم أنهوا إلى السلطان محمود بْن سبكتكين : أن هذا الذي يؤلب علينا عندك أعظم منا بدعة وكفرا ، وذلك أنه يعتقد أن نبينا محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليس نبيا اليوم ، وأن رسالته انقطعت بموته ، فاسأله عن ذلك.

فعظم على السلطان هذا الأمر ، وَقَالَ : إن صح هذا عنه لأقتلنه ، وأمر بطلبه.

والذي لاح لنا من كلام المحررين لما ينقلون ، الواعين لما يحفظون ، الذين يتقون اللَّه فيما يحكون ، أنه لما حضر بين يديه ، وسأله عن ذلك كذب الناقل ، وَقَالَ : ما هو معتقد الأشاعرة على الإطلاق ، أن نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حي فِي قبره ، رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أبد الآباد على الحقيقة لا المجاز ، وأنه كان نبيا وآدم بين الماء والطين ، ولم تبرح نبوته باقية ، ولا تزال.

وعند ذلك وضح للسلطان الأمر ، وأمر بإعزازه وإكرامه ، ورجوعه إلى وطنه.

فلما أيست الكرامية ، وعلمت أن ما وشت به لم يتم ، وأن حيلها ومكايدها قد وهت ، عدلت إلى السعي فِي موته ، والراحة من تعبه ، فسلطوا عليه من سمه ، فمضى حميدا شهيدا.

هذا خلاصة المحنة.

والمسألة المشار إليها : وهي انقطاع الرسالة بعد الموت مكذوبة قديما على الإمام أَبِي الْحَسَن الأشعري نفسه ، وقد مضى الكلام عليها فِي ترجمته.

إذا عرفت هذا ، فاعلم أن أَبَا مُحَمَّد بْن حزم الظاهري ذكر فِي النصائح أن ابن سبكتكين قتل ابن فورك ، بقوله لهذه المسألة ، ثم زعم ابن حزم ، أنها قول جميع الأشعرية.

قالت : وابن حزم لا يدري مذهب الأشعري ، ولا يفرق بينهم وبين الجهمية ؛ لجهلهم بما يعتقدون.

وقد حكى ابن الصلاح ما ذكره ابن حزم ، ثم قَالَ : ليس الأمر كما زعم ، بل هو تشنيع على الأشعرية أثارته الكرامية ، فيما حكاه القشيري.

قلت : وقد أسلفنا كلام القشيري فِي ذلك فِي ترجمة الأشعري.

وذكر شيخنا الذهبي كلام ابن حزم ، وحكى أن السلطان أمر بقتل ابن فورك ، فشفع إليه ، وقيل : هو رجل له سن ، فأمر بقتله بالسم ، فسقي السم.

ثم قَالَ : وقد دعا ابن حزم للسلطان محمود ، أن وفق لقتل ابن فورك.

وقال : فِي الجملة ابن فورك خير من ابن حزم ، وأجل ، وأحسن نحلة.

وقال قبل ذلك ، أعني شيخنا الذهبي : كان ابن فورك رجلا صالحا.

ثم قَالَ : كان مع دينه صاحب فلتة وبدعة.

انتهى.

قلت : أما أن السلطان أمر بقتله ، فشفع إليه ، إلى آخر الحكاية ، فأكذوبة سمجة ، ظاهرة الكذب من جهات متعددة.

منها : أن ابن فورك لا يعتقد ما نقل عنه ، بل يكفر قائله ، فكيف يعترف على نفسه بما هو كفر ؟ وإذا لم يعترف فكيف يأمر السلطان بقتله ؟ وهذا أَبُو القاسم القشيري أخص الناس بابن فورك ، فهل نقل هذه الواقعة ، بل ذكر أن من عزى إلى الأشعرية هذه المسألة ، فقد افترى عليهم ، وأنه لا يقول بها أحد منهم.

ومنها : أنه بتقدير اعترافه ، وأمره بقتله ، كيف ترك ذلك لسنه ، وهل قَالَ مسلم : إن السن مانع من القتل بالكفر ، على وجه الشهرة ، أو مطلقا ، ثم ليت الحاكي ضم إلى السن العلم ، وإن كان أيضا لا يمنع القتل ، ولكن لبغضه فيه لم يجعل له خصلة يمت بها غير أنه شيخ مسن ، فيا سبحان اللَّه ، أما كان رجلا عالما ، أما كان اسمه ملأ بلاد خراسان والعراق ، أما كان تلامذته قد طبقت طبق الأرض ، فهذا من ابن حزم مجرد تحامل ، وحكاية لأكذوبة سمجة ، كان مقداره أجل من أن يحكيها.

وأما قول شيخنا الذهبي : إنه مع دينه صاحب فلتة وبدعة ، فكلام متهافت ؛ فإنه يشهد بالصلاح والدين لمن يقضي عليه بالبدعة ، ثم ليت شعري ، ما الذي يعني بالفلتة ، إن كانت قيامه فِي الحق ، كما نعتقد نحن فيه فتلك من الدين ، وإن كانت فِي الباطل فهي تنافي الدين.

وأما حكمه بأن ابن فورك خير من ابن حزم ، فهذا التفضيل أمره إلى اللَّه تعالى ، ونقول لشيخنا : إن كنت تعتقد فيه ما حكيت من انقطاع الرسالة ، فلا خير فيه ألبتة ، وإلا فلم لا نبهت على أن ذلك مكذوب عليه لئلا يغتر به .6

السابق

|

| من 2

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة