مرحباً بكم فى موسوعة الحديث الشريف على شبكة إسلام ويب

مكية.

بسم الله الرحمن الرحيم الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ { 1 } يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ { 2 } وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ { 3 } سورة سبأ آية 1-3 .

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ سورة سبأ آية 1 ملكا وخلقا ، وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الآخِرَةِ سورة سبأ آية 1 كما هو له في الدنيا ؛ لأن النعم في الدارين كلها منه.

وقيل : الحمد لله في الآخرة هو حمد أهل الجنة ، كما قَالَ الله تعالى : وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ سورة فاطر آية 34 ، و الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ سورة الزمر آية 74 ، وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ سورة سبأ آية 1 .

يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ سورة سبأ آية 2 أي : يدخل فيها من الماء والأموات ، وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا سورة سبأ آية 2 من النبات والأموات إذا حشروا ، وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ سورة سبأ آية 2 من الأمطار ، وَمَا يَعْرُجُ سورة سبأ آية 2 يصعد ، فِيهَا سورة سبأ آية 2 من الملائكة وأعمال العباد ، وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ سورة سبأ آية 2 .

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ سورة سبأ آية 3 قرأ أهل المدينة والشام : عالمُ بالرفع على الاستئناف ، وقرأ الآخرون بالجر على نعت الرب ، أي : وربي عالم الغيب ، وقرأ حمزة والكسائي : علام على وزن فعال ، وجر الميم ، لا يَعْزُبُ سورة سبأ آية 3 لا يغيب ، عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ سورة سبأ آية 3 وزن ذرة ، فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ سورة سبأ آية 3 أي : من الذرة ، وَلا أَكْبَرُ إِلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ سورة سبأ آية 3 .

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ { 4 } وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ { 5 } وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ { 6 } وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ { 7 } أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ { 8 } سورة سبأ آية 4-8 .

لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ سورة سبأ آية 4 يعني الذين آمنوا ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ سورة سبأ آية 4 حسن ، يعني : في الجنة.

وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ سورة سبأ آية 5 يحسبون أنهم يفوتوننا ، أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ سورة سبأ آية 5 قرأ ابن كثير ، وحفص ، ويعقوب : ألِيم بالرفع ههنا وفي الجاثية على نعت العذاب ، وقرأ الآخرون بالخفض على نعت الرجز ، وقال قتادة : الرجز سوء العذاب.

وَيَرَى الَّذِينَ أي : ويرى الذين ، أُوتُوا الْعِلْمَ يعني مؤمني أهل الكتاب ، عبد الله بن سلام وأصحابه ، وقال قتادة : هم أصحاب محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ سورة سبأ آية 6 يعني القرآن ، هُوَ الْحَقَّ سورة سبأ آية 6 يعني أنه من عند الله ، وَيَهْدِي سورة سبأ آية 6 يعني القرآن ، إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ سورة سبأ آية 6 وهو الإسلام.

وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا سورة سبأ آية 7 منكرين للبعث ، متعجبين منه : هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ سورة سبأ آية 7 يخبركم ، يعنون محمدا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ سورة سبأ آية 7 قطعتم كل تقطيع ، وفرقتم كل تفريق ، وصرتم ترابا ، إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ سورة سبأ آية 7 يقول لكم : إنكم لفي خلق جديد.

أَفْتَرَى سورة سبأ آية 8 ألف استفهام دخلت على ألف الوصل ولذلك نصبت ، عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ سورة سبأ آية 8 يقولون : أزعم كذبا أم به جنون ؟ قَالَ الله تعالى ردا عليهم : بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ سورة سبأ آية 8 من الحق في الدنيا.

أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ { 9 } وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ { 10 } سورة سبأ آية 9-10 .

أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ سورة سبأ آية 9 فيعلموا أنهم حيث كانوا ، فإن أرضي وسمائي محيطة بهم لا يخرجون من أقطارها ، وأنا القادر عليهم ، إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ سورة سبأ آية 9 قرأ الكسائي : نخسف بهم بإدغام الفاء في الباء ، أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ سورة سبأ آية 9 قرأ حمزة والكسائي : إن يشأ يخسف ، أو يسقط بالياء فيهن لذكر الله من قبل ، وقرأ الآخرون بالنون فيهن.

إِنَّ فِي ذَلِكَ سورة سبأ آية 9 أي : فيما ترون من السماء والأرض ، لآيَةً سورة سبأ آية 9 تدل على قدرتنا على البعث ، لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ سورة سبأ آية 9 تائب راجع إلى الله بقلبه.

قوله عَزَّ وَجَلَّ : وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ مِنَّا فَضْلا سورة سبأ آية 10 يعني النبوة والكتاب ، وقيل : الملك.

وقيل : جميع ما أوتي من حسن الصوت ، وتليين الحديد ، وغير ذلك مما خص به.

يَا جِبَالُ سورة سبأ آية 10 أي : وقلنا : يا جبال : أَوِّبِي سورة سبأ آية 10 أي : سبحي ، مَعَهُ سورة سبأ آية 10 إذا سبح ، وقيل : هو تفعيل من الإياب وهو الرجوع ، أي : رجعي معه.

وقال القتيبي : أصله من التأويب في السير ، وهو أن يسير النهار كله ، وينزل ليلا ، كَأَنَّهُ قَالَ : أوبي النهار كله بالتسبيح معه.

وقال وهب : نوحي معه.

وَالطَّيْرَ سورة سبأ آية 10 عطف على موضع الجبال ؛ لأن كل منادى في موضع النصب ، وقيل : معناه : وسخرنا وأمرنا الطير أن تسبح معه ، وقرأ يعقوب : والطير بالرفع ردا على الجبال ، أي : أوبي أنت والطير ، وكان داود إذا نادى بالناحية أجابته الجبال بصداها ، وعكفت الطير عليه من فوقه ، فصدى الجبال الذي يسمعه الناس اليوم من ذلك.

وقيل : كان داود إذا تخلل الجبال ، فسبح الله جعلت الجبال تجاوبه بالتسبيح نحو ما يسبح.

وقيل : كان داود عَلَيْهِ السَّلام إذا لحقه فتور أسمعه الله تسبيح الجبال تنشيطا له.

وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ سورة سبأ آية 10 حتى كان الحديد في يده كالشمع والعجين يعمل منه ما يشاء من غير نار ، ولا ضرب مطرقة.

وكان سبب ذلك على ما روي من الأخبار أن داود عَلَيْهِ السَّلام لما ملك بني إسرائيل كان من عادته أن يخرج للناس متنكرا ، فإذا رأى رجلا لا يعرفه تقدم إليه ، وسأله عن داود ، ويقول له : ما تقول في داود واليكم هذا ، أي رجل هو ؟ فيثنون عليه ، ويقولون خيرا ، فقيض الله له ملكا في صورة آدمي ، فلما رآه داود تقدم إليه على عادته ، فسأله ، فقال الملك : نعم الرجل هو لولا خصلة فيه.

فراع داود ذلك ، وقال : ما هي يا عبد الله ؟ قَالَ : إنه يأكل ويطعم عياله من بيت المال.

قال : فتنبه لِذَلِكَ ، وسَأَلَ الله أن يسبب لَهُ سببا يستغني بِهِ عن بيت المال ، فيتقوت منه ، ويطعم عياله ، فألان الله تعالى له الحديد ، وعلمه صنعة الدرع ، وإنه أول من اتخذها.

ويقال : إنه كان يبيع كل درع بأربعة آلاف درهم ، فيأكل ويطعم منها عياله ، ويتصدق منها على الفقراء والمساكين.

ويقال : إنه كان يعمل كل يوم درعا يبيعها بستة آلاف درهم ، فينفق ألفين منها على نفسه وعياله ، ويتصدق بأربعة آلاف على فقراء بني إسرائيل.

قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كان داود عليه السلام لا يأكل إلا من عمل يده ".

أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ { 11 } وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ { 12 } سورة سبأ آية 11-12 .

أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ سورة سبأ آية 11 دروعا كوامل واسعات طوالا تسحب في الأرض ، وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ سورة سبأ آية 11 والسرد نسج الدروع ، يقال لصانعه : السراد والزراد.

يقول : قدر المسامير في حلق الدرع ، أي : لا تجعل المسامير دقاقا فتفلت ، ولا غلاظا فتكسر الحلق.

ويقال : السرد : المسمار في الحلقة ، يقال : درع مسرودة ، أي : مسمورة الحلق ، وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ سورة سبأ آية 11 أجعله على القصد وقدر الحاجة ، وَاعْمَلُوا صَالِحًا سورة سبأ آية 11 يريد داود وآله ، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ سورة سبأ آية 11 .

وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ سورة سبأ آية 12 أي : وسخرنا لسليمان الريح ، وقرأ أبو بكر ، عن عاصم : الريح بالرفع ، أي : له تسخير الريح ، غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ سورة سبأ آية 12 أي : سير غدو تلك الريح المسخرة له مسيرة شهر ، وسير رواحها مسيرة شهر ، وكانت تسير به في يوم واحد مسيرة شهرين.

قَالَ الحسن : كان يغدو من دمشق ، فيقيل باصطخر ، وبينهما مسيرة شهر ، ثم يروح من اصطخر فيبيت بكابل ، وبينهما مسيرة شهر للراكب المسرع.

وقيل : إنه كان يتغذى بالري ، ويتعشى بسمرقند.

وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ سورة سبأ آية 12 أي : أذبنا له عين النحاس ، والقطر : النحاس.

قَالَ أهل التفسير : أجريت له عين النحاس ثلاثة أيام بلياليهن كجري الماء ، وكان بأرض اليمن ، وإنما ينتفع الناس اليوم بما أخرج الله لسليمان ، وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ سورة سبأ آية 12 بأمر ربه ، قَالَ ابن عباس : سخر الله الجن لسليمان ، وأمرهم بطاعته فيما يأمرهم به.

وَمَنْ يَزِغْ سورة سبأ آية 12 أي : يعدل ، مِنْهُمْ سورة سبأ آية 12 من الجن ، عَنْ أَمْرِنَا سورة سبأ آية 12 الذي أمرنا به من طاعة سليمان ، نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ سورة سبأ آية 12 في الآخرة ، وقال بعضهم : في الدنيا ، وذلك أن الله عز وجل وكل بهم ملكا بيده سوط من نار ، فمن زاغ منهم عن أمر سليمان ضربه ضربة أحرقته.

يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ سورة سبأ آية 13 .

يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ سورة سبأ آية 13 أي : مساجد ، والأبنية المرتفعة ، وكان مما عملوا له بيت المقدس ، ابتدأه داود ، ورفعه قدر قامة رجل ، فأوحى الله إليه : إني لم أقض ذلك على يدك ، ولكن ابن لك أملكه بعدك ، اسمه سليمان أقضي تمامه على يده.

فلما توفاه الله استخلف سليمان ، فأحب إتمام بناء بيت المقدس ، فجمع الجن والشياطين ، وقسم عليهم الأعمال ، فخص كل طائفة منهم بعمل يستخلصها له ، فأرسل الجن والشياطين في تحصيل الرخام والمها الأبيض من معادنه ، وأمر ببناء المدينة بالرخام والصفاح ، وجعلها اثني عشر ربضا ، وأنزل كل ربض منها سبطا من الأسباط ، وكانوا اثني عشر سبطا ، فلما فرغ من بناء المدينة ابتدأ في بناء المسجد ، فوجه الشياطين فرقا فرقا يستخرجون الذهب والفضة والياقوت من معادنها ، والدر الصافي من البحر ، وفرقا يقلعون الجواهر والحجارة من أماكنها ، وفرقا يأتونه بالمسك والعنبر وسائر الطيب من أماكنها ، فأتى من ذلك بشيء لا يحصيه إلا الله عز وجل ، ثم أحضر الصناعين ، وأمرهم بنحت تلك الحجارة المرتفعة ، وتصييرها ألواحا ، وإصلاح تلك الجواهر ، وثقب اليواقيت واللآلئ ، فبنى المسجد بالرخام الأبيض والأصفر والأخضر ، وعمده بأساطين المها الصافي ، وسقفه بألواح الجواهر الثمينة ، وفصص سقوفه وحيطانه باللآلئ واليواقيت ، وسائر الجواهر ، وبسط أرضه بألواح الفيروز ، فلم يكن يومئذ في الأرض بيت أبهى ولا أنور من ذلك المسجد ، وكان يضئ في الظلمة كالقمر ليلة البدر ، فلما فرغ منه جمع إليه أحبار بني إسرائيل ، فأعلمهم أنه بناه لله عز وجل ، وأن كل شيء فيه خالص لله ، واتخذ ذلك اليوم الذي فرغ منه عيدا.

وَرُوِيَ عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمَانُ مِنْ بِنَاءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَأَلَ رَبَّهُ ثَلاثًا ، فَأَعْطَاهُ اثْنَيْنِ ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ أَعْطَاهُ الثَّالِثَةَ ، سَأَلَ حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَهُ ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، وَسَأَلَهُ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ ، وَسَأَلَهُ أَنْ لا يَأْتِي هَذَا الْبَيْتَ أَحَدٌ يُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ إِلا خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أَعْطَاهُ ذَلِكَ ".

قَالُوا : فلَمْ يَزَلْ بَيْتُ الْمَقْدِسِ عَلَى مَا بَنَاهُ سُلَيْمَانُ حَتَّى غَزَاه بُخْتَنَصَّرُ ، فَخَرَّبَ الْمَدِينَةَ وَهَدَمَهَا ، وَنَقَضَ الْمَسْجِدَ ، وَأَخَذَ مَا كَانَ فِي سُقُوفِهِ وَحِيطَانِهِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالدُّرِّ وَالْيَاقُوتِ ، وَسَائِرِ الْجَوَاهِرِ ، فَحَمَلَهُ إِلَى دَارِ مَمْلَكَتِهِ مِنْ أَرْضِ الْعِرَاقِ ، وَبَنَى الشَّيَاطِينُ لِسُلَيْمَانَ بِالْيَمَنِ حُصُونًا كَثِيرَةً عَجِيبَةً مِنَ الصَّخْرِ.

قوله : وَتَمَاثِيلَ سورة سبأ آية 13 أي : كانوا يعملون له تماثيل ، أي : صورا من نحاس ، وصفر ، وشبة ، وزجاج ورخام ، وقيل : كانوا يصورون السباع والطيور.

وقيل : كانوا يتخذون صور الملائكة والأنبياء والصالحين في المسجد ليراها الناس ، فيزدادوا عبادة.

ولعلها كانت مباحة في شريعتهم ، كما أن عيسى كان يتخذ صورا من الطين ، فينفخ فيها ، فتكون طيرا بإذن الله.

وَجِفَانٍ سورة سبأ آية 13 أي : قصاع ، واحدتها جفنة ، كَالْجَوَابِ سورة سبأ آية 13 كالحياض التي يجبى فيها الماء ، أي : يجمع ، واحدتها جابية ، يقال : كان يقعد على الجفنة الواحدة ألف رجل يأكلون منها.

وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ سورة سبأ آية 13 ثابتات ، لها قوائم لا يحركن عن أماكنها لعظمهن ، ولا ينزلن ولا يعطلن ، وكان يصعد عليها بالسلالم ، وكانت باليمن.

اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْرًا سورة سبأ آية 13 أي : وقلنا : اعملوا آل داود شكرا ، مجازه : اعملوا يا آل داود بطاعة الله شكرا له على نعمه.

وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ سورة سبأ آية 13 أي : العامل بطاعتي شكرا لنعمتي.

قيل : المراد من آل داود : هو داود نفسه.

وقيل : داود وسليمان وأهل بيته.

وقال جعفر بن سليمان : سمعت ثابتا يقول : كان داود نبي الله عليه السلام قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله ، فلم تكن تأتي ساعة من ساعات الليل والنهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي.

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ سورة سبأ آية 14 .

فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ سورة سبأ آية 14 أي : على سليمان.

قَالَ أهل العلم : كان سليمان عليه السلام يتجرد في بيت المقدس السنة والسنتين ، والشهر والشهرين ، وأقل من ذلك وأكثر ، يدخل فيه طعامه وشرابه ، فأدخله في المرة التي مات فيها ، وكان بدء ذلك أنه كان لا يصبح يوما إلا نبتت في محراب بيت المقدس شجرة ، فيسألها : ما اسمك ؟ فتقول : اسمي كذا.

فيقول : لأي شيء أنت ؟ فتقول : لكذا وكذا.

فيأمر بها فتقطع ، فإن كانت نبتت لغرس غرسها ، وإن كانت لدواء كتب ، حتى نبتت الخروبة ، فقال لها : ما أنت ؟ قالت : الخروبة.

قَالَ : لأي شيء نبت ؟ قالت : لخراب مسجدك .

فقال سليمان : ما كان الله ليخربه وأنا حي ، أنت التي على وجهك هلاكي وخراب بيت المقدس ! وغرسها في حائط له ، ثم قَالَ : اللهم عم على الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب.

وكانت الجن تخبر الإنس أنهم يعلمون من الغيب أشياء ، ويعلمون ما في غد ، ثم دخل المحراب ، فقام يصلي متكئا على عصاه ، فمات قائما ، وكان للمحراب كوى بين يديه وخلفه ، فكانت الجن يعملون تلك الأعمال الشاقة التي كانوا يعملون في حياته ، وينظرون إليه يحسبون أنه حي ، ولا ينكرون احتباسه عن الخروج إلى الناس لطول صلاته قبل ذلك ، فمكثوا يدأبون له بعد موته حولا كاملا حتى أكلت الأرضة عصا سليمان ، فخر ميتا ، فعلموا بموته.

قَالَ ابن عباس : فشكرت الجن الأرضة ، فهم يأتونها بالماء والطين في جوف الخشب ، فذلك قوله : مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلا دَابَّةُ الأَرْضِ سورة سبأ آية 14 وهي الأرضة ، تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ سورة سبأ آية 14 يعني عصاه ، قرأ أهل المدينة وأبو عمرو : منساته بغير همز ، وقرأ الباقون بالهمز ، وهما لغتان ، ويسكن ابن عامر الهمز ، وأصلها من نسأت الغنم ، أي : زجرتها وسقتها ، ومنه : نسأ الله في أجله ، أي : أخره.

فَلَمَّا خَرَّ سورة سبأ آية 14 أي : سقط على الأرض ، تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ سورة سبأ آية 14 أي : علمت الجن وأيقنت ، أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ سورة سبأ آية 14 أي : في التعب والشقاء ، مسخرين لسليمان وهو ميت يظنونه حيا ، أراد الله بذلك أن يعلم الجن أنهم لا يعلمون الغيب ؛ لأنهم كانوا يظنون أنهم يعلمون الغيب ، لغلبة الجهل ، وذكر الأزهري أن معنى تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ سورة سبأ آية 14 أي : ظهرت وانكشفت الجن للإنسان ، أي : ظهر أمرهم أنهم لا يعلمون الغيب ؛ لأنهم كانوا قد شبهوا على الإنس ذلك ، وفي قراءة ابن مسعود وابن عباس : تبينت الإنس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين أي : علمت الإنس وأيقنت ذلك.

وقرأ يعقوب : تُبينت بضم التاء وكسر الياء ، أي : أعلمت الإنس الجن ، ذكر بلفظ ما لم يسم فاعله ، وتبين لازم ومتعد.

وذكر أهل التاريخ أن سليمان كان عمره ثلاثا وخمسين سنة ، ومدة ملكه أربعون سنة ، وملك يوم ملك وهو ابن ثلاث عشرة سنة ، وابتدأ في بناء بيت المقدس لأربع سنين مضين من ملكه.

لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ سورة سبأ آية 15 .

قوله عز وجل : لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ سورة سبأ آية 15 روى أبو سبرة النخعي ، عن فروة بن مسيك العطيفي ، قَالَ : قَالَ رجل : يا رسول الله ، أخبرني عن سبأ ، كان رجلا ، أو امرأة ، أو أرضا ؟ قَالَ : " كان رجلا من العرب ، وله عشرة من الولد ، تيامن منهم ستة ، وتشاءم أربعة ، فأما الذين تيامنوا : فكندة ، والأشعريون ، وأزد ، ومذحج ، وأنمار ، وحمير ".

فقال رجل : وما أنمار ؟ فقال : " الذين منهم خثعم وبجيلة ، وأما الذين تشاءموا : فعاملة ، وجذام ، ولخم ، وغسان ، وسبأ هو ابن يشجب بن يعرب بن قحطان ".

فِي مَسْكَنِهِمْ سورة سبأ آية 15 قرأ حمزة وحفص : مسكَنهم بفتح الكاف على الواحد ، وقرأ الكسائي بكسر الكاف ، وقرأ الآخرون : مساكنهم على الجمع ، وكانت مساكنهم بمأرب من اليمن.

آيَةٌ سورة سبأ آية 15 دلالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، ثم فسر الآية ، فقال : جَنَّتَانِ سورة سبأ آية 15 أي : هي جنتان بستانان ، عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ سورة سبأ آية 15 أي : عن يمين الوادي وشماله ، وقيل : عن يمين من أتاهم وشماله.

وكان لهم واد ، قيل : أحاطت الجنتان بذلك الوادي.

كُلُوا سورة سبأ آية 15 أي : وقيل لهم : كلوا.

مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ سورة سبأ آية 15 يعني : من ثمار الجنتين ، قَالَ السدي ومقاتل : كانت المرأة تحمل مكتلها على رأسها ، وتمر بالجنتين ، فيمتلئ مكتلها من أنواع الفواكه من غير أن تمس شيئا بيدها.

وَاشْكُرُوا لَهُ سورة سبأ آية 15 أي : على ما رزقكم من النعمة ، والمعنى : اعملوا بطاعته.

بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ سورة سبأ آية 15 أي : أرض سبأ بلدة طيبة ليست بسبخة ، قَالَ ابن زيد : لم يكن يرى في بلدتهم بعوضة ، ولا ذباب ، ولا برغوث ، ولا عقرب ولا حية ، وكان الرجل يمر ببلدهم وفي ثيابه القمل ، فيموت القمل كله من طيب الهواء ، فذلك قوله تعالى : بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ سورة سبأ آية 15 أي : طيبة الهواء ، وَرَبٌّ غَفُورٌ سورة سبأ آية 15 قَالَ مقاتل : وربكم إن شكرتموه فيما رزقكم رب غفور للذنوب.

فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ سورة سبأ آية 16 .

فَأَعْرَضُوا سورة سبأ آية 16 قَالَ وهب : أرسل الله إلى سبأ ثلاثة عشر نبيا ، فدعوهم إلى الله ، وذكروهم نعمه عليهم ، وأنذروهم عقابه ، فكذبوهم ، وقالوا : ما نعرف لله عز وجل علينا نعمة ، فقولوا لربكم : فليحبس هذه النعم عنا إن استطاع.

فذلك قوله تعالى : فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ سورة سبأ آية 16 و العرم جمع عرمة ، وهي السكر الذي يحبس به الماء.

وقال ابن الأعرابي : العرم السيل الذي لا يطاق.

وقيل : كان ماء أحمر ، أرسله الله عليهم من حيث شاء.

وقيل : العرم الوادي ، وأصله من العرامة ، وهي الشدة والقوة.

وقال ابن عباس ، ووهب ، وغيرهما : كان ذلك السد بنته بلقيس ، وذلك أنهم كانوا يقتتلون على ماء واديهم ، فأمرت بواديهم فسد بالعرم ، وهو المسناة بلغة حمير ، فسدت بين الجبلين بالصخر والقار ، وجعلت له أبوابا ثلاثة بعضها فوق بعض ، وبنت من دونه بركة ضخمة ، وجعلت فيها اثني عشر مخرجا على عدة أنهارهم يفتحونها إذا احتاجوا إلى الماء ، وإذا استغنوا سدوها ، فإذا جاء المطر اجتمع إليه ماء أودية اليمن ، فاحتبس السيل من وراء السد ، فأمرت بالباب الأعلى ففتح ، فجرى ماؤه في البركة ، فكانوا يسقون من الباب الأعلى ، ثم من الثاني ، ثم من الثالث الأسفل ، فلا ينفذ الماء حتى يثوب الماء من السنة المقبلة ، فكانت تقسمه بينهم على ذلك ، فبقوا على ذلك بعدها مدة ، فلما طغوا وكفروا ، سلط الله عليهم جرذا يسمى الخلد فثقب السد من أسفله ، فغرق الماء جناتهم ، وخرب أرضهم.

قَالَ وهب : وكان مما يزعمون ويجدون في علمهم وكهانتهم ، أن يخرب سدهم فأرة ، فلم يتركوا فرجة بين حجرين إلا ربطوا عندها هرة ، فلما جاء زمانه ، وما أراد الله عز وجل بهم من التغريق ، أقبلت فيما يذكرون فأرة حمراء كبيرة إلى هرة من تلك الهرر ، فساورتها حتى أستأخرت عنها الهرة ، فدخلت في الفرجة التي كانت عندها ، فتغلغلت في السد ، فنقبت وحفرت حتى أوهنته للسيل ، وهم لا يدرون بذلك ، فلما جاء السيل وجد خللا ، فدخل فيه حتى قطع السد ، وفاض على أموالهم فغرقها ، ودفن بيوتهم الرمل ، ففرقوا وتمزقوا حتى صاروا مثلا عند العرب ، يقولون : صار بنو فلان أيدي سبأ ، وأيادي سبأ ، أي : تفرقوا وتبددوا ، فذلك قوله تعالى : فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ سورة سبأ آية 16 .

وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ سورة سبأ آية 16 قرأ العامة بالتنوين ، وقرأ أهل البصرة : أكل خمط بالإضافة ، الأكل : الثمر ، والخمط : الأراك ، وثمره يقال له : البرير ، هذا قول أكثر المفسرين.

وقال المبرد والزجاج : كل نبت قد أخذ طعما من المرارة حتى لا يمكن أكله هو خمط.

وقال ابن الأعرابي : الخمط ثمر شجرة ، يقال له : فسوة الضبع ، على صورة الخشخاش يتفرك ولا ينتفع به ، فمن جعل الخمط اسما للمأكول ، فالتنوين في أكل حسن ، ومن جعله أصلا ، وجعل الأكل ثمرة ، فالإضافة فيه ظاهرة ، والتنوين سائغ.

تقول العرب : في بستان فلان أعناب كرم.

يترجم الأعناب بالكرم ؛ لأنها منه ، وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ سورة سبأ آية 16 فالأثل هو الطرفاء ، وقيل : هو شجر يشبه الطرفاء ، إلا أنه أعظم منه ، والسدر شجر معروف ، وهو شجر النبق ، ينتفع بورقه لغسل الرأس ، ويغرس في البساتين ، ولم يكن هذا من ذلك ، بل كان سدرا بريا لا ينتفع به ، ولا يصلح ورقة لشيء.

قَالَ قتادة : كان شجر القوم من خير الشجر ، فصيره الله من شر الشَّجَر بأعمالهم.

ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ سورة سبأ آية 17 .

ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا سورة سبأ آية 17 أي : ذلك الذي فعلنا بهم جزيناهم بكفرهم ، وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ سورة سبأ آية 17 قرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص ، ويعقوب : وهل نجازِي بالنون وكسر الزاي ، إِلا الْكَفُورَ نصب لقوله : ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ سورة سبأ آية 17 وقرأ الآخرون بالياء وفتح الزاي ، الكفورُ رفع ، أي : وهل يجازى مثل هذا الجزاء إلا الكفور.

وقال مجاهد : يجازي ، أي : يعاقب ، ويقال في العقوبة : يجازي ، وفي المثوبة : يجزي.

قَالَ مقاتل : هل يكافأ بعمله السيء إلا الكفور لله في نعمه.

قَالَ الفراء : المؤمن يجزى ولا يجازى ، أي : يجزى للثواب بعمله ، ولا يكافأ بسيئاته.

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنْينَ { 18 } فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ { 19 } سورة سبأ آية 18-19 .

وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا سورة سبأ آية 18 بالماء والشجر ، هي قرى الشام ، قُرًى ظَاهِرَةً سورة سبأ آية 18 متواصلة ، تظهر الثانية من الأولى لقربها منها ، وكان متجرهم من اليمن إلى الشام ، فكانوا يبيتون بقرية ، ويقيلون بأخرى ، وكانوا لا يحتاجون إلى حمل زاد من سبأ إلى الشام.

وقيل : كانت قراهم أربعة آلاف وسبع مائة قرية متصلة من سبأ إلى الشام.

وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سورة سبأ آية 18 أي : قدرنا سيرهم بين هذه القرى ، وكان مسيرهم في الغدو والرواح على قدر نصف يوم ، فإذا ساروا نصف يوم وصلوا إلى قرية ذات مياه وأشجار.

وقال قتادة : كانت المرأة تخرج ومعها مغزلها ، وعلى رأسها مكتلها ، فتمتهن بمغزلها ، فلا تأتي بيتها حتى يمتلئ مكتلها من الثمار ، وكان ما بين اليمن والشام كذلك.

سِيرُوا فِيهَا سورة سبأ آية 18 أي : وقلنا لهم : سيروا فيها.

وقيل : هو أمر بمعنى الخبر ، أي : مكناهم من السير ، فكانوا يسيرون فيها ، لَيَالِيَ وَأَيَّامًا سورة سبأ آية 18 أي : بالليالي والأيام ، أيّ وقت شئتم ، آمِنْينَ سورة سبأ آية 18 لا تخافون عدوا ، ولا جوعا ، ولا عطشا ، فبطروا وطغوا ، ولم يصبروا على العافية ، وقالوا : لو كانت جناتنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه.

فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا سورة سبأ آية 19 فاجعل بيننا وبين الشام فلوات ومفاوز ، لنركب فيها الرواحل ، ونتزود الأزواد ، فعجل الله لهم الإجابة ، وقال مجاهد : بطروا النعمة ، وسئموا الراحة.

وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ سورة سبأ آية 19 بالبطر والطغيان ، فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ سورة سبأ آية 19 عبرة لمن بعدهم يتحدثون بأمرهم وشأنهم ، وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ سورة سبأ آية 19 فرقناهم في كل وجه من البلاد كل التفريق.

قَالَ الشعبي : لما غرقت قراهم تفرقوا في البلاد ، أما غسان فلحقوا بالشام ، ومر الأزد إلى عمان ، وخزاعة إلى تهامة ، ومر آل خزيمة إلى العراق ، والأوس والخزرج إلى يثرب ، وكان الذي قدم منهم المدينة عمرو بن عامر ، وهو جد الأوس والخزرج.

إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ سورة سبأ آية 19 لعبرا ودلالات ، لِكُلِّ صَبَّارٍ سورة سبأ آية 19 عن معاصي الله ، شَكُورٍ سورة سبأ آية 19 لأنعمه.

قَالَ مقاتل : يعني : المؤمن من هذه الأمة صبور على البلاء ، شاكر للنعماء.

قَالَ مطرف : هو المؤمن إذا أعطي شكر ، وإذا ابتلي صبر.

وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ { 20 } وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ { 21 } قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ { 22 } سورة سبأ آية 20-22 .

قوله عَزَّ وَجَلَّ : وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ سورة سبأ آية 20 قرأ أهل الكوفة : صدّق بالتشديد ، أي : ظن فيهم ظنا ، حيث قَالَ : قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ سورة ص آية 82 ، وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ سورة الأعراف آية 17 فصدق ظنه ، وحققه بفعله ذلك بهم واتباعهم إياه ، وقرأ الآخرون بالتخفيف ، أي : صدق عليهم في ظنه بهم ، أي : على أهل سبأ ، وقال مجاهد : على الناس كلهم إلا من أطاع الله ، فَاتَّبَعُوهُ إِلا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ سورة سبأ آية 20 قَالَ السدي ، عن ابن عباس : يعني المؤمنين كلهم ؛ لأن المؤمنين لم يتبعوه في أصل الدين ، وقد قَالَ الله تعالى : إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ سورة الحجر آية 42 يعني المؤمنين ، وقيل : هو خاص بالمؤمنين الذين يطيعون الله ولا يعصونه.

قَالَ ابن قتيبة : إن إبليس لما سأل النظرة ، فأنظره الله ، قَالَ : لأغوينهم ولأضلنهم.

لم يكن مستيقنا وقت هذه المقالة أن ما قاله فيهم يتم ، وإنما قاله ظنا ، فلما اتبعوه وأطاعوه صدق عليهم ما ظنه فيهم.

قَالَ الحسن : إنه لم يسل عليهم سيفا ، ولا ضربهم بسوط ، وإنما وعدهم ومناهم فاغتروا.

قَالَ الله تعالى : وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ سورة سبأ آية 21 أي : ما كان تسليطنا إياه عليهم ، إِلا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ سورة سبأ آية 21 أي : إلا لنعلم : لنرى ونميز المؤمن من الكافر ، وأراد علم الوقوع والظهور ، وقد كان معلوما عنده بالغيب.

وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ سورة سبأ آية 21 رقيب.

قُلِ سورة سبأ آية 22 يا محمد ، لكفار مكة : ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ سورة سبأ آية 22 أنهم آلهة ، مِنْ دُونِ اللَّهِ سورة سبأ آية 22 وفي الآية حذف ، أي : ادعوهم ليكشفوا الضر الذي نزل بكم في سني الجوع ، ثم وصفها فقال : لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ سورة سبأ آية 22 من خير وشر ، ونفع وضر ، وَمَا لَهُمْ سورة سبأ آية 22 أي : للآلهة ، فِيهِمَا سورة سبأ آية 22 في السموات والأرض ، مِنْ شِرْكٍ سورة سبأ آية 22 شركة ، وَمَا لَهُ سورة سبأ آية 22 أي : وما لله ، مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ سورة سبأ آية 22 عون.

وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ سورة سبأ آية 23 .

وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ سورة سبأ آية 23 الله في الشفاعة ، قاله تكذيبا لهم ، حيث قالوا : هؤلاء شفعاؤنا عند الله.

ويجوز أن يكون المعنى : إلا لمن أذن الله في أن يشفع له ، وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي : أذن بضم الهمزة ، حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ سورة سبأ آية 23 قرأ ابن عامر ويعقوب بفتح الفاء الزاي ، قرأ الآخرون بضم الفاء وكسر الزاي ، أي : كشف الفزع ، وأخرج عن قلوبهم ، فالتفزيع : إزالة الفزع ، كالتمريض والتفريد.

واختلفوا في الموصوفين بهذه الصفة ، فقال قوم : هم الملائكة.

ثم اختلفوا في ذلك السبب ، فقال بعضهم : إنما يفزع عن قلوبهم من غشية تصيبهم عند سماع كلام الله عز وجل.

وَرُوِّينَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ " إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ، ضَرَبَتِ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ سورة سبأ آية 23 ".

السابق

|

| من 7

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة