مرحباً بكم فى موسوعة الحديث الشريف على شبكة إسلام ويب

مكية إلا قوله عز وجل : الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ سورة القصص آية 52 إلى قوله : لا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ سورة القصص آية 55 وفيها آية نزلت بين مكة والمدينة ، وهي قوله عز وجل : إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ سورة القصص آية 85 .

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ طسم { 1 } تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ { 2 } نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ { 3 } إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ { 4 } وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ { 5 } سورة القصص آية 1-5 .

طسم { 1 } تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ { 2 } سورة الشعراء آية 1-2 .

نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ سورة القصص آية 3 بالصدق ، لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ سورة القصص آية 3 يصدقون بالقرآن.

إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا سورة القصص آية 4 استكبر وتجبر وتعظم ، فِي الأَرْضِ سورة القصص آية 4 أرض مصر ، وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا سورة القصص آية 4 فرقا وأصنافا في الخدمة والتسخير ، يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ سورة القصص آية 4 أراد بالطائفة بني إسرائيل ، ثم فسر الاستضعاف ، فقال : يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ سورة القصص آية 4 سمى هذا استضعافا ؛ لأنهم عجزوا وضعفوا عن دفعه عن أنفسهم ، إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ سورة القصص آية 4 .

وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ سورة القصص آية 5 يعني بني إسرائيل ، وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً سورة القصص آية 5 قادة في الخير يقتدي بهم ، وقال قتادة : ولاة وملوكا ، دليله قوله عز وجل : وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا سورة المائدة آية 20 وقال مجاهد : دعاة إلى الخير.

وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ سورة القصص آية 5 يعني أملاك فرعون وقومه يخلفونه في مساكنهم.

وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ { 6 } وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ { 7 } سورة القصص آية 6-7 .

وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ سورة القصص آية 6 نوطن لهم في أرض مصر والشام ، ونجعلها لهم مكانا يستقرون فيه ، وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا سورة القصص آية 6 قرأ الأعمش ، وحمزة ، والكسائي : ويرى بالياء وفتحها ، فرعون وهامان وجنودهما مرفوعات على أن الفعل لهم ، وقرأ الآخرون بالنون وضمها ، وكسر الراء ونصب الياء ، ونصب ما بعده بوقوع الفعل عليه ، مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ سورة القصص آية 6 والحذر هو التوقي من الضرر ، وذلك أنهم أخبروا أن هلاكهم على يد رجل من بني إسرائيل ، فكانوا على وجل منه ، فأراهم الله ما كانوا يحذرون.

وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى سورة القصص آية 7 وهو وحي إلهام لا وحي نبوة ، قَالَ قتادة : قذفنا في قلبها.

وأم موسى يوخابذ بنت لاوي بن يعقوب ، أَنْ أَرْضِعِيهِ سورة القصص آية 7 واختلفوا في مدة الرضاع ، قيل : ثمانية أشهر.

وقيل : أربعة أشهر.

وقيل : ثلاثة أشهر ، كانت ترضعه في حجرها ، وهو لا يبكي ولا يتحرك ، فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ سورة القصص آية 7 يعني : من الذبح ، فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ سورة القصص آية 7 واليم : البحر ، وأراد ههنا النيل ، وَلا تَخَافِي سورة القصص آية 7 قيل : لا تخافي عليه من الغرق ، وقيل : من الضيعة ، وَلا تَحْزَنِي سورة القصص آية 7 على فراقه ، إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ سورة القصص آية 7 روى عطاء ، عن الضحاك ، عن ابن عباس ، رضي الله عنهما ، قَالَ : إن بني إسرائيل لما كثروا بمصر ، استطالوا على الناس ، وعملوا بالمعاصي ، ولم يأمروا بالمعروف ، ولم ينهوا عن المنكر ، فسلط الله عليهم القبط ، فاستضعفوهم إلى أن أنجاهم على يد نبيه.

وقال ابن عباس رضي الله عنهما : إن أم موسى لما تقاربت ولادتها ، وكانت قابلة من القوابل التي وكلهن فرعون بحبالى بني إسرائيل مصافية لأم موسى ، فلما ضرب بها الطلق أرسلت إليها ، فقالت : قد نزل بي ما نزل ، فلينفعني حبك إياي اليوم.

قالت : فعالجت قبالتها ، فلما أن وقع موسى بالأرض هالها نور بين عيني موسى ، فارتعش كل مفصل منها ، ودخل حب موسى قلبها ، ثم قالت لها : يا هذه ، ما جئت إليك حين دعوتيني إلا ومن رأيي قتل مولودك ، ولكن وجدت لابنك هذا حبا ما وجدت حب شيء مثل حبه ، فاحفظي ابنك ، فإني أراه هو عدونا.

فلما خرجت القابلة من عندها أبصرها بعض العيون ، فجاءوا إلى بابها ليدخلوا على أم موسى ، فقالت أخته : يا أماه ، هذا الحرس بالباب.

فلفت موسى في خرقة ، فوضعته في التنور وهو مسجور ، وطاش عقلها ، فلم تعقل ما تصنع ، قَالَ : فدخلوا فإذا التنور مسجور ، ورأوا أم موسى لم يتغير لها لون ولم يظهر لها لبن ، فقالوا لها : ما أدخل عليك القابلة ؟ قالت : هي مصافية لي ، فدخلت علي زائرة.

فخرجوا من عندها ، فرجع إليها عقلها ، فقالت لأخت موسى : فأين الصبي ؟ قالت : لا أدري ، فسمعت بكاء الصبي من التنور ، فانطلقت إليه ، وقد جعل الله سبحانه وتعالى النار عليه بردا وسلاما ، فاحتملته.

قَالَ : ثم إن أم موسى لما رأت إلحاح فرعون في طلب الولدان خافت على ابنها ، فقذف الله في قلبها أن تتخذ له تابوتا ، ثم تقذف التابوت في اليم ، وهو النيل ، فانطلقت إلى رجل نجار من قوم فرعون ، فاشترت منه تابوتا صغيرا ، فقال لها النجار : ما تصنعين بهذا التابوت ؟ قالت : ابن لي أخبئه في التابوت.

وكرهت الكذب ، قَالَ : ولم تقل : أخشى عليه كيد فرعون ، فلما اشترت التابوت وحملته ، وانطلقت به ، انطلق النجار إلى الذباحين ليخبرهم بأمر أم موسى ، فلما هم بالكلام أمسك الله لسانه ، فلم يطق الكلام ، وجعل يشير بيده فلم يدر الأمناء ما يقول ، فلما أعياهم أمره ، قَالَ كبيرهم : اضربوه.

فضربوه وأخرجوه ، فلما انتهى النجار إلى موضعه رد الله عليه لسانه ، فتكلم ، فانطلق أيضا يريد الأمناء فأتاهم ، ليخبرهم فأخذ الله لسانه وبصره فلم يطق الكلام ، ولم يبصر شيئا ، فضربوه وأخرجوه ، فوقع في واد يهوي فيه حيران ، فجعل لله عليه إن رد لسانه وبصره أن لا يدل عليه ، وأن يكون معه يحفظه حيثما كان ، فعرف الله منه الصدق ، فرد عليه لسانه وبصره ، فخر لله ساجدا ، فقال : يا رب ، دلني على هذا العبد الصالح.

فدله الله عليه ، فخرج من الوادي ، فآمن به وصدقه ، وعلم أن ذلك من الله عز وجل.

وقال وهب بن منبه : لما حملت أم موسى بموسى كتمت أمرها جميع الناس ، فلم يطلع على حبلها أحد من خلق الله ، وذلك شيء ستره الله لما أراد أن يمن به على بني إسرائيل ، فلما كانت السنة التي يولد فيها بعث فرعون القوابل ، وتقدم إليهن ففتشن النساء تفتيشا لم يفتشن قبل ذلك مثله ، وحملت أم موسى بموسى فلم ينتأ بطنها ، ولم يتغير لونها ، ولم يظهر لبنها ، وكانت القوابل لا تتعرض لها ، فلما كانت الليلة التي ولد فيها ولدته ، ولا رقيب عليها ولا قابلة ، ولم يطلع عليها أحد إلا أخته مريم ، فأوحى الله إليها : أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ سورة القصص آية 7 الآية ، فكتمته أمه ثلاثة أشهر ترضعه في حجرها ، لا يبكي ولا يتحرك ، فلما خافت عليه عملت تابوتا له مطبقا ، ثم ألقته في البحر ليلا.

قَالَ ابن عباس وغيره : وكان لفرعون يومئذ بنت لم يكن له ولد غيرها ، وكانت من أكرم الناس عليه ، وكان لها كل يوم ثلاث حاجات ترفعها إلى فرعون ، وكان بها برص شديد ، وكان فرعون قد جمع لها أطباء مصر والسحرة ، فنظروا في أمرها ، فقالوا : أيها الملك ، لا تبرأ إلا من قبل البحر ، يوجد فيه شبه الإنسان ، فيؤخذ من ريقه ، فيلطخ به برصها ، فتبرأ من ذلك ، وذلك في يوم كذا ، وساعة كذا حين تشرق الشمس.

فلما كان يوم الاثنين ، غدا فرعون إلى مجلس كان على شفير النيل ، ومعه امرأته آسية بنت مزاحم ، وأقبلت ابنة فرعون في جواريها حتى جلست على شاطئ النيل مع جواريها تلاعبهن ، وتنضح الماء على وجوههن ، إذ أقبل النيل بالتابوت تضربه الأمواج ، فقال فرعون : إن هذا لشيء في البحر قد تعلق بالشجرة ائتوني به.

فابتدروه بالسفن من كل جانب حتى وضعوه بين يديه ، فعالجوا فتح الباب فلم يقدروا عليه ، وعالجوا كسره فلم يقدروا عليه ، فدنت آسية ، فرأت في جوف التابوت نورا لم يره غيرها ، فعالجته ، ففتحت الباب ، فإذا هي بصبي صغير في مهده ، وإذا نور بين عينيه ، وقد جعل الله رزقه في إبهامه يمصه لبنا ، فألقى الله لموسى المحبة في قلب آسية ، وأحبه فرعون وعطف عليه ، وأقبلت بنت فرعون ، فلما أخرجوا الصبي من التابوت عمدت بنت فرعون إلى ما كان يسيل من ريقه ، فلطخت به برصها فبرأت ، فقبلته وضمته إلى صدرها ، فقال الغواة من قوم فرعون : أيها الملك ، إنا نظن أن ذلك المولود الذي تحذر منه من بني إسرائيل هو هذا ، رمي به في البحر فرقا منك فاقتله.

فهم فرعون بقتله ، قالت آسية : قرة عين لي ولك ، لا تقتله عسى أن ينفعنا ، أو نتخذه ولدا.

وكانت لا تلد ، فاستوهبت موسى من فرعون ، فوهبه لها ، وقال فرعون : أما أنا فلا حاجة لي فيه.

قَالَ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لو قَالَ فرعون يومئذ هو قرة عين لي كما هو لك لهداه الله كما هداها ".

فقيل لآسية : سميه.

فقالت : سميته موسى ؛ لأنا وجدناه في الماء والشجر ، فمو هو الماء ، وسى هو الشجر.

فذلك قوله عز وجل : فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ سورة القصص آية 8 .

فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ سورة القصص آية 8 والالتقاط هو وجود الشيء من غير طلب ، لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا سورة القصص آية 8 وهذه اللام تسمى لام العاقبة ولام الصيرورة ؛ لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوا وحزنا ، ولكن صار عاقبة أمرهم إلى ذلك ، قرأ حمزة والكسائي : وحزنا بضم الحاء وسكون الزاي ، وقرأ الآخرون بفتح الحاء والزاي ، وهما لغتان ، إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ سورة القصص آية 8 عاصين آثمين.

وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ { 9 } وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ { 10 } سورة القصص آية 9-10 .

قوله تعالى : وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ سورة القصص آية 9 قَالَ وهب : لما وضع التابوت بين يدي فرعون فتحوه ، فوجدوا فيه موسى ، فلما نظر إليه ، قَالَ : عبراني من الأعداء.

فغاظه ذلك ، وقال : كيف أخطأ هذا الغلام الذبح ؟ وكان فرعون قد استنكح امرأة من بني إسرائيل ، يقال لها : آسية بنت مزاحم ، وكانت من خيار النساء ، ومن بنات الأنبياء ، وكانت أما للمساكين ترحمهم وتتصدق عليهم وتعطيهم ، قالت لفرعون وهي قاعدة إلى جنبه : هذا الوليد أكبر من ابن سنة ، وإنما أمرت أن يذبح الولدان لهذه السنة ، فدعه يكون قرة عين لي ولك.

لا تَقْتُلُوهُ سورة القصص آية 9 وروي أنها قالت له : إنه أتانا من أرض أخرى ليس من بني إسرائيل.

عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ سورة القصص آية 9 أن هلاكهم على يديه ، فاستحياه فرعون ، وألقى الله عليه محبته ، وقال لامرأته : عسى أن ينفعك ، فأما أنا فلا أريد نفعه.

قَالَ وهب : قَالَ ابن عباس رضي الله عنهما : لو أن عدو الله قَالَ في موسى كما قالت آسية : عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا سورة القصص آية 9 لنفعه الله ، ولكنه أبى ، للشقاء الذي كتبه الله عليه.

وقوله تعالى : وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا سورة القصص آية 10 أي : خاليا من كل شيء إلا من ذكر موسى وهمه ، هذا قول أكثر المفسرين.

وقال الحسن : فَارِغًا سورة القصص آية 10 : أي ناسيا للوحي الذي أوحى الله إليها حين أمرها أن تلقيه في البحر ، ولا تخاف ولا تحزن ، والعهد الذي عهد أن يرده إليها ، ويجعله من المرسلين ، فجاءها الشيطان ، فقال : كرهت أن يقتل فرعون ولدك ، فيكون لك أجره وثوابه ، وتوليت أَنْتَ قتله ، فألقيتِهِ في البَحْر وأغرقتِهِ.

ولَمَّا أتاها الخبر بأن فرعون أصابه في النيل ، قالت : إنه وقع في يد عدوه الذي فررت منه.

فأنساها عظم البلاء ما كان من عهد الله إليها.

وقال أبو عبيدة : فارغا أي : فارغا من الحزن ، لعلمها بصدق وعد الله تعالى.

وأنكر القتيبي هذا ، وقال : كيف يكون هذا ، والله تعالى يقول : إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا سورة القصص آية 10 والأول أصح.

قول الله عز وجل إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ سورة القصص آية 10 قيل : الهاء في بِهِ سورة القصص آية 10 راجعة إلى موسى ، أي : كادت لتبدي به أنه ابنها من شدة وجدها.

وقال عكرمة ، عن ابن عباس : كادت تقول : وابناه.

وقال مقاتل : لما رأت التابوت يرفعه موج ، ويضعه آخر خشيت عليه الغرق ، فكادت تصيح من شفقتها.

وقال الكلبي : كادت تظهر أنه ابنها ، وذلك حين سمعت الناس يقولون لموسى بعدما شب : موسى بن فرعون ، فشق عليها ، وكادت تقول : بل هو ابني.

وقال بعضهم : الهاء عائدة إلى الوحي ، أي : كادت تبدي بالوحي الذي أوحى الله إليها أن يرده إليها.

لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا سورة القصص آية 10 بالعصمة ، والصبر ، والتثبيت ، لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ سورة القصص آية 10 المصدقين لوعد الله حين قَالَ لها : إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ سورة القصص آية 7 .

وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ { 11 } وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ { 12 } سورة القصص آية 11-12 .

وَقَالَتْ لأُخْتِهِ سورة القصص آية 11 أي : لمريم أخت موسى : قُصِّيهِ سورة القصص آية 11 اتبعي أثره حتى تعلمي خبره ، فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ سورة القصص آية 11 أي : عن بعد ، وفي القصة أنها كانت تمشي جانبا ، وتنظر اختلاسا تري أنها لا تنظره ، وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ سورة القصص آية 11 أنها أخته ، وأنها ترقبه ، قَالَ ابن عباس : إن امرأة فرعون كان همها من الدنيا أن تجد له مرضعة ، فكلما أتوا بمرضعة لم يأخذ ثديها ، فذلك قوله عز وجل : وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ سورة القصص آية 12 والمراد من التحريم المنع ، والمراضع جمع المرضع ، مِنْ قَبْلُ سورة القصص آية 12 أي : من قبل مجيء أم موسى ، فلما رأت أخت موسى التي أرسلتها أمه في طلبه ذلك ، قالت لهم : هل أدلكم ؟ وفي القصة أن موسى مكث ثمان ليال لا يقبل ثديا ويصيح ، وهم في طلب مرضعة له ، فَقَالَتْ سورة القصص آية 12 يعني أخت موسى : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ سورة القصص آية 12 أي : يضمنونه ، لَكُمْ سورة القصص آية 12 ويرضعونه ، وهي امرأة قد قتل ولدها ، فأحب شيء إليها أن تجد صغيرا ترضعه ، وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ سورة القصص آية 12 والنصح ضد الغش : وهو تصفية العمل من شوائب الفساد ، قالوا : نعم ، فأتينا بها.

قَالَ ابن جريج والسدي : لما قالت أخت موسى : وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ سورة القصص آية 12 أخذوها ، وقالوا : إنك قد عرفت هذا الغلام ، فدلينا على أهله.

فقالت : ما أعرفه ، وقلت : هم للملك ناصحون.

وقيل : إنها قالت : إنما قلت هذا رغبة في سرور الملك ، واتصالنا به.

وقيل : إنها لما قالت : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ سورة القصص آية 12 قالوا لها : من ؟ قالت : أمي.

قالوا : ولأمك ابن ؟ قالت : نعم ، هارون.

وكان هارون ولد في سنة لا يقتل فيها ، قالوا : صدقت ، فأتينا بها.

فانطلقت إلى أمها وأخبرتها بحال ابنها ، وجاءت بها إليهم ، فلما وجد الصبي ريح أمه قبل ثديها ، وجعل يمصه حتى امتلأ جنباه ريا.

قَالَ السدي : كانوا يعطونها كل يوم دينارا.

فذلك قوله تعالى : فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ { 13 } وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ { 14 } وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ { 15 } سورة القصص آية 13-15 .

فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا سورة القصص آية 13 برد موسى إليها ، وَلا تَحْزَنَ سورة القصص آية 13 أي : ولئلا تحزن ، وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ سورة القصص آية 13 برده إليها ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ سورة القصص آية 13 أن الله وعدها رده إليها.

وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ سورة القصص آية 14 قَالَ الكلبي : الأشد ما بين ثماني عشرة سنة إلى ثلاثين سنة.

وقال مجاهد وغيره : ثلاث وثلاثون سنة.

وَاسْتَوَى سورة القصص آية 14 أي : بلغ أربعين سنة ، ورواه سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وقيل : اسْتَوَى سورة القصص آية 14 انتهى شبابه ، آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا سورة القصص آية 14 أي : الفقه ، والعقل ، والعلم في الدين ، فعلم موسى وحكم قبل أن يبعث نبيا ، وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ سورة القصص آية 14 .

قوله تعالى : وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ سورة القصص آية 15 يعني : دخل موسى المدينة ، قَالَ السدي : هي مدينة منف من أرض مصر.

وقال مقاتل : كانت قرية حايين على رأس فرسخين من مصر.

وقيل : مدينة عين الشمس.

عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا سورة القصص آية 15 وهو وقت القائلة ، واشتغال الناس بالقيلولة ، وقال محمد بن كعب القرظي : دخلها فيما بين المغرب والعشاء.

واختلفوا في السبب الذي من أجله دخل المدينة في هذا الوقت ، قَالَ السدي : وذلك أن موسى عليه السلام كان يسمى ابن فرعون ، فكان يركب مراكب فرعون ، ويلبس مثل ملابسه ، فركب فرعون يوما ، وليس عنده موسى ، فلما جاء موسى ، قيل له : إن فرعون قد ركب.

فركب في أثره ، فأدركه المقيل بأرض منف ، فدخلها نصف النهار ، وليس في طرفها أحد ، فذلك قوله عز وجل : وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا سورة القصص آية 15 .

قَالَ ابن إسحاق : كان لموسى شيعة من بني إسرائيل يستمعون منه ، ويقتدون به ، فلما عرف ما هو عليه من الحق ، رأى فراق فرعون وقومه ، فخالفهم في دينه حتى ذكر ذلك منه وخافوه وخافهم ، فكان لا يدخل قرية إلا خائفا مستخيفا ، فدخلها يوما على حين غفلة من أهلها.

وقال ابن زيد : لما علا موسى فرعون بالعصا في صغره ، فأراد فرعون قتله ، قالت امرأته : هو صغير.

فترك قتله ، وأمر بإخراجه من مدينته ، فلم يدخل عليهم إلا بعد أن كبر وبلغ أشده ، فدخل المدينة على حين غفلة من أهلها ، يعني : عن ذكر موسى ، أي : من بعد نسيانهم خبره وأمره لبعد عهدهم به.

وروي عن علي في قوله : حِينِ غَفْلَةٍ سورة القصص آية 15 كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم.

فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ سورة القصص آية 15 يختصمان ويتنازعان ، هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ سورة القصص آية 15 من بني إسرائيل ، وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ سورة القصص آية 15 من القبط ، قيل : الذي كان من شيعته السامري ، والذي من عدوه من القبط.

قيل : طباخ فرعون ، اسمه فليثون ، وقيل : هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ سورة القصص آية 15 أي : هذا مؤمن ، وهذا كافر.

وكان القبطي يسخر الإسرائيلي ليحمل الحطب إلى المطبخ.

قَالَ سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : لما بلغ موسى أشده لم يكن أحد من آل فرعون يخلص إلى أحد من بني إسرائيل بظلم حتى امتنعوا كل الامتناع ، وكان بنو إسرائيل قد عزوا بمكان موسى ؛ لأنهم كانوا يعلمون أنه منهم ، فوجد موسى رجلين يقتتلان ، أحدهما من بني إسرائيل والآخر من آل فرعون ، فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ سورة القصص آية 15 فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني ، والاستغاثة طلب الغوث ، فغضب موسى واشتد غضبه ؛ لأنه تناوله وهو يعلم منزلة موسى من بني إسرائيل ، وحفظه لهم ، ولا يعلم الناس إلا أنه من قبل الرضاعة من أم موسى ، فقال للفرعوني : خل سبيله.

فقال : إنما أخذته ليحمل الحطب إلى مطبخ أبيك.

فنازعه ، فقال الفرعوني : لقد هممت أن أحمله عليك.

وكان موسى قد أوتي بسطة في الخلق ، وشدة في القوة والبطش ، فَوَكَزَهُ مُوسَى سورة القصص آية 15 وقرأ ابن مسعود : فلكزه موسى ومعناهما واحد ، وهو الضرب بجمع الكف ، وقيل : الوكز : الضرب في الصدر ، واللكز في الظهر.

وقال الفراء : معناهما واحد ، وهو الدفع.

قال أبو عبيدة : الوكز الدفع بأطراف الأصابع.

وفي بعض التفاسير : عقد موسى ثلاثا وثمانين وضربه في صدره ، فَقَضَى عَلَيْهِ سورة القصص آية 15 أي : فقتله ، وفرغ من أمره ، وكل شيء فرغت منه ، فقد قضيته ، وقضيت عليه ، فندم موسى عليه السلام ، ولم يكن قصده القتل ، فدفنه في الرمل ، قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ سورة القصص آية 15 أي : بَيِّنُ الضلالة.

قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ { 16 } قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ { 17 } فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ { 18 } فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ { 19 } سورة القصص آية 16-19 .

قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي سورة القصص آية 16 بقتل القبطي من غير أمر ، فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ سورة القصص آية 16 .

قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ سورة القصص آية 17 بالمغفرة ، فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا سورة القصص آية 17 عونا ، لِلْمُجْرِمِينَ سورة القصص آية 17 قَالَ ابن عباس : الكافرين ، وهذا يدل على أن الإسرائيلي الذي أعانه موسى كان كافرا ، وهو قول مقاتل.

قَالَ قتادة : لن أعين بعدها على خطيئة.

قَالَ ابن عباس : لم يستثن ، فابتلي به في اليوم الثاني.

فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ سورة القصص آية 18 أي : في المدينة التي قتل فيها القبطي ، خَائِفًا سورة القصص آية 18 من قتله القبطي ، يَتَرَقَّبُ سورة القصص آية 18 ينتظر سوءا ، والترقب : انتظار المكروه ، قَالَ الكلبي : ينتظر متى يأخذ به.

فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ سورة القصص آية 18 يستغيثه ، ويصيح به من بعد ، قَالَ ابن عباس : أتي فرعون فقيل له : إن بني إسرائيل قتلوا منا رجلا ، فخذ لنا بحقنا.

فقال : ابغوا لي قاتله ، ومن يشهد عليه.

فلا يستقيم أن يقضي بغير بينة ، فبينما هم يطوفون لا يجدون بينة ، إذ مر موسى من الغد ، فرأى ذلك الإسرائيلي يقاتل فرعونيا ، فاستغاثه على الفرعوني ، فصادف موسى وقد ندم على ما كان منه بالأمس من قتل القبطي ، قَالَ لَهُ مُوسَى سورة القصص آية 18 للإسرائيلي : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ سورة القصص آية 18 ظاهر الغواية ، قاتلت بالأمس رجلا ، فقتلته بسببك ، وتقاتل اليوم آخر ، وتستغيثني عليه.

وقيل : إنما قَالَ موسى للفرعوني : إنك لغوي مبين بظلمك.

والأول أصوب ، وعليه الأكثرون ، أنه قَالَ ذلك للإسرائيلي.

فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا سورة القصص آية 19 وذلك أن موسى أدركته الرقة بالإسرائيلي ، فمد يده ليبطش بالفرعوني ، فظن الإسرائيلي أنه يريد أن يبطش به لما رأى من غضبه ، وسمع قوله : إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ سورة القصص آية 18 ، قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ سورة القصص آية 19 ما تريد ، إِلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الأَرْضِ سورة القصص آية 19 بالقتل ظلما ، وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ سورة القصص آية 19 فلما سمع القبطي ما قَالَ الإسرائيلي علم أن موسى هو الذي قتل ذلك الفرعوني ، فانطلق إلى فرعون ، وأخبره بذلك ، وأمر فرعون بقتل موسى.

قَالَ ابن عباس : فلما أرسل فرعون الذباحين لقتل موسى أخذوا الطريق الأعظم.

وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ { 20 } فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ { 21 } وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ { 22 } سورة القصص آية 20-22 .

وَجَاءَ رَجُلٌ سورة القصص آية 20 من شيعة موسى ، مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ سورة القصص آية 20 أي : من آخرها ، قَالَ أكثر أهل التأويل : اسمه حزبيل ، مؤمن من آل فرعون ، وقيل : اسمه شمعون ، وقيل : شمعان ، يَسْعَى سورة القصص آية 20 أي : يسرع في مشيه ، فأخذ طريقا قريبا حتى سبق إلى موسى ، فأخبره وأنذره حتى أخذ طريقا آخر ، قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ سورة القصص آية 20 يعني أشراف قوم فرعون يتشاورون فيك ، لِيَقْتُلُوكَ سورة القصص آية 20 قَالَ الزجاج : يأمر بعضهم بعضا بقتلك.

فَاخْرُجْ سورة القصص آية 20 من المدينة ، إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ سورة القصص آية 20 في الأمر لك بالخروج.

فَخَرَجَ مِنْهَا سورة القصص آية 21 موسى ، خَائِفًا يَتَرَقَّبُ سورة القصص آية 21 أي : ينتظر الطلب ، قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ سورة القصص آية 21 الكافرين ، وفي القصة أن فرعون بعث في طلبه حين أخبر بهربه ، فقال : اركبوا ثنيات الطريق ، فإنه لا يعرف كيف الطريق.

وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ سورة القصص آية 22 أي : قصد نحوها ماضيا إليها ، يقال : داره تلقاء دار فلان ، إذا كانت محاذيتها ، وأصله من اللقاء ، قَالَ الزجاج : يعني : سلك الطريق الذي تلقاء مدين فيها ، ومدين هو مدين بن إبراهيم ، سميت البلدة باسمه ، وكان موسى قد خرج خائفا بلا ظهر ، ولا حذاء ، ولا زاد ، وكانت مدين على مسيرة ثمانية أيام من مصر ، قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ سورة القصص آية 22 أي : قصد الطريق إلى مدين ، قَالَ ذلك ؛ لأنه لم يكن يعرف الطريق إليها قبل ، فلما دعا جاءه ملك بيده عنزة ، فانطلق به إلى مدين.

قَالَ المفسرون : خرج موسى من مصر ، ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر والبقل ، حتى يرى خضرته في بطنه ، وما وصل إلى مدين حتى وقع خف قديمه.

قَالَ ابن عباس : وهو أول ابتلاء من الله عز وجل لموسى عليه السلام.

وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ سورة القصص آية 23 .

وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ سورة القصص آية 23 وهو بئر يسقون منها مواشيهم ، وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً سورة القصص آية 23 جماعة ، مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ سورة القصص آية 23 مواشيهم ، وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ سورة القصص آية 23 يعني : سوى الجماعة ، امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ سورة القصص آية 23 يعني : تحبسان وتمنعان أغنامهما عن الماء حتى يفرغ الناس ، وتخلو لهم البئر.

قَالَ الحسن : تكفان الغنم عن أن تختلط بأغنام الناس.

وقال قتادة : تكفان الناس عن أغنامهما.

وقيل : تمنعان أغنامهما عن أن تشذ وتذهب.

والقول الأول أصوبها ، لما بعده ، وهو قوله : قَالَ سورة القصص آية 23 يعني موسى للمرأتين : مَا خَطْبُكُمَا سورة القصص آية 23 ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس ؟ قَالَتَا لا نَسْقِي سورة القصص آية 23 أغنامنا ، حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ سورة القصص آية 23 قرأ أبو جعفر ، وأبو عمرو ، وابن عامر : يصدر بفتح الياء وضم الدال على اللزوم ، أي : حتى يرجع الرعاء عن الماء ، وقرأ الآخرون بضم الياء وكسر الدال ، أي : حتى يصرفوا هم مواشيهم عن الماء ، والرعاء جمع راع ، مثل : تاجر وتجار.

ومعنى الآية : لا نسقي مواشينا حتى يصدر الرعاء ؛ لأنا امرأتان لا نطيق أن نسقي ، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال ، فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض.

وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ سورة القصص آية 23 لا يقدر أن يسقي مواشيه ، فلذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم.

واختلفوا في اسم أبيهما ، فقال مجاهد ، والضحاك ، والسدي ، والحسن : هو شعيب النبي عليه السلام.

وقال وهب بن منبه وسعيد بن جبير : هو يثرون ابن أخي شعيب ، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعدما كف بصره ، فدفن بين المقام وزمزم.

وقيل : رجل ممن آمن بشعيب.

قالوا : فلما سمع موسى قولهما رحمهما ، فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس.

وقال ابن إسحاق : إن موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر ، فسقى غنم المرأتين.

ويروى أن القوم لما رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشرة نفر ، فجاء موسى ، ورفع الحجر وحده ، وسقى غنم المرأتين.

ويقال : إنه نزع ذنوبا واحدا ودعا فيه بالبركة ، فروى منه جميع الغنم ، فذلك قوله : فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ سورة القصص آية 24 .

فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ سورة القصص آية 24 ظل الشجرة ، فجلس في ظلها من شدة الحر ، وهو جائع ، فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ سورة القصص آية 24 طعام ، فَقِيرٌ سورة القصص آية 24 قَالَ أهل اللغة : اللام بمعنى إلى ، يقال : هو فقير له ، وفقير إليه ، يقول : إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ سورة القصص آية 24 أي : طعام ، فقير محتاج ، كان يطلب الطعام لجوعه.

قَالَ ابن عباس : سأل الله تعالى فلقة خبز يقيم بها صلبه.

قَالَ الباقر : لقد قالها ، وإنه لمحتاج إلى شق تمرة.

وقال سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : لقد قَالَ موسى : رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ سورة القصص آية 24 وهو أكرم خلقه عليه ، ولقد افتقر إلى شق تمرة.

وقال مجاهد : ما سأله إلا الخبز.

قالوا : فلما رجعتا إلى أبيهما سريعا قبل الناس ، وأغنامهما حفل بطان ، قَالَ لهما : ما أعجلكما ؟ قالتا : وجدنا رجلا صالحا رحمنا ، فسقى لنا أغنامنا.

فقال لإحداهما : اذهبي ، فادعيه لي.

فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ { 25 } قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ { 26 } سورة القصص آية 25-26 .

قَالَ الله تعالى : فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ سورة القصص آية 25 قَالَ عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ليست بسلفع من النساء خراجة ولاجة ، ولكن جاءت مستترة قد وضعت كم درعها على وجهها استحياء ، قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا سورة القصص آية 25 قَالَ أبو حازم سلمة بن دينار : لما سمع ذلك موسى أراد أن لا يذهب ، ولكن كان جائعا فلم يجد بدا من الذهاب ، فمشت المرأة ، ومشى موسى خلفها ، فكانت الريح تضرب ثوبها ، فتصف ردفها ، فكره موسى أن يرى ذلك منها ، فقال لها : امشي خلفي ، ودليني على الطريق إن أخطأت.

ففعلت ذلك ، فلما دخل على شعيب إذا هو بالعشاء مهيأ ، فقال : اجلس يا شاب فتعش.

فقال موسى : أعوذ بالله.

فقال شعيب : ولم ذاك ألست بجائع ؟ قَالَ : بلى ، ولكن أخاف أن يكون هذا عوضا لما سقيت لهما ، وإنا من أهل بيت لا نطلب على عمل من أعمال الآخرة عوضا من الدنيا.

فقال له شعيب : لا والله يا شاب ، ولكنها عادتي وعادة آبائي ، نقري الضيف ، ونطعم الطعام.

فجلس موسى وأكل ، فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ سورة القصص آية 25 يعني أمره أجمع ، من قتله القبطي وقصد فرعون قتله ، قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ سورة القصص آية 25 يعني فرعون وقومه ، وإنما قَالَ هذا ؛ لأنه لم يكن لفرعون سلطان على مدين.

قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ سورة القصص آية 26 اتخذه أجيرا ، ليرعى أغنامنا ، إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ سورة القصص آية 26 يعني : خير من استعملت من قوي على العمل ، وأدى الأمانة ، فقال لها أبوها : وما علمك بقوته وأمانته ؟ قالت : أما قوته ، فإنه رفع حجرا من رأس البئر لا يرفعه إلا عشرة ، وقيل : إلا أربعون رجلا ، وأما أمانته ، فإنه قَالَ لي : امشي خلفي حتى لا تصف الريح بدنك.

قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ { 27 } قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ { 28 } سورة القصص آية 27-28 .

قَالَ سورة القصص آية 27 شعيب عند ذلك : إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ سورة القصص آية 27 اسمهما صافورة ، وليا في قول شعيب الجبائي ، وقال ابن إسحاق : صفورة وشرقا.

قَالَ غيرهما : الكبرى صفراء ، والصغرى صفيراء.

وقيل : زوجه الكبرى.

وذهب أكثرهم إلى أنه زوجه الصغرى منهما ، واسمها صفورة ، وهي التي ذهبت لطلب موسى.

عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ سورة القصص آية 27 يعني : أن تكون أجيرا لي ثمان سنين ، قَالَ الفراء : تجعل ثوابي من تزويجها أن ترعى غنمي ثماني حجج ، تقول العرب : آجرك الله بأجرك ، أي : أثابك ، والحجج : السنون ، واحدتها حجة ، فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ سورة القصص آية 27 أي : إن أتممت عشر سنين ، فذلك تفضل منك وتبرع ، وليس بواجب عليك ، وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سورة القصص آية 27 أي : ألزمك تمام العشر إلا أن تتبرع ، سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ سورة القصص آية 27 قَالَ عمر : يعني : في حسن الصحبة ، والوفاء بما قلت.

قَالَ سورة القصص آية 28 مُوسَى : ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ سورة القصص آية 28 يعني : هذا الشرط بيني وبينك ، فما شرطت علي فلك ، وما شرطت من تزويج إحداهما فلي ، والأمر بيننا ، تم الكلام ، ثم قَالَ : أَيَّمَا الأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ سورة القصص آية 28 يعني : أي الأجلين ، وَمَا صلة ، قَضَيْتُ سورة القصص آية 28 يعني : أتممت وفرغت منه ، الثمان أو العشر ، فَلا عُدْوَانَ عَلَيَّ سورة القصص آية 28 لا ظلم علي بأن أطالب بأكثر منهما ، وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ سورة القصص آية 28 قَالَ ابن عباس ومقاتل : شهيد فيما بيني وبينك.

وقيل : حفيظ.

السابق

|

| من 7

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة