مرحباً بكم فى موسوعة الحديث الشريف على شبكة إسلام ويب

: إمام المتكلمين ، ذو الباع الواسع في تعليق العلوم ، والاجتماع بالشاسع من حقائق المنطوق والمفهوم ، والارتفاع قدرا على الرفاق ، وهل يجري من الأقدار إلا الأمر المحتوم ؟ بحر ليس للبحر ما عنده من الجواهر ، وحبر سما على السماء ، وأين للسماء مثل ما له من الزواهر ؟ وروضة علم تستقل الرياض نفسها أن تحاكي ما لديه من الأزاهر.

انتظمت بقدره العظيم عقود الملة الإسلامية ، وابتسمت بدره النظيم ثغور الثغور المحمدية ، تنوع في المباحث وفنونها ، وترفع فلم يرض إلا بنكت تسحر ببيونها ، وأتى بجنات طلعها هضيم ، وكلمات يقسم الدهر أن الملحد بعدها لا يقدر أن يضيم.

وله شعار أوى الأشعري من سننه إلى ركن شديد ، واعتزل المعتزلي علما أنه ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد ، وخاض من العلوم في بحار عميقة ، وراض النفس في دفع أهل البدع وسلوك الطريقة.

أما الكلام فكل ساكت خلفه ، وكيف لا وهو الإمام ، رد على طوائف المبتدعة ، وهد قواعدهم حين رفض النفس للرفض ، وشاع دمار الشيعة ، وجاء إلى المعتزلة ، فاغتال الغيلانية ، وأوصل الواصلية النقمات الواصبية ، وجعل العمرية أعبدا لطلحة والزبير.

وقالت الهذلية : لا تنتهي قدرة الله على خير وصبر.

وأيقنت النظامية بأنه أذاق بعضهم بأس بعض ، وفرق شملهم وصيرهم قطعا ، وعبست البشرية لما جعل معتزلهم سبعا ، وهشم الهشامية والبهشمية بالحجة الموضحة ، وقصم الكعبية فصارت تحت الأرجل مجرحة ، وعلمت الجبائية مذ قطعها أن الإسلام يجب ما قبله ، وانهزم جيش الأحيدية فما عاد منهم إلا من عاد إلى القبلة ، وعرج على الخوارج ، فدخلوا تحت الطاعة ، وعلمت الأزارقة منهم أن فتكات أبيضه المحمدية ، ونار أسمره الأحمدية ، لا قبل لهم بها ولا استطاعة.

وقالت الميمونية : اليمن من الله والشر.

وخنست الأخنسية وما فيهم إلا من تحيز إلى فئة وفر ، والتفت إلى الروافض.

فقالت الزيدية : ضرب عمرو وخالد وبكر زيدا.

وقالت الإمامية : هذا الإمام ومن حاد عنه فقد جاء شيئا إدا ، وأيقنت السليمانية أن جنها حبس في الفناني.

وقالت الأزلية : هذا الذي قدر الله في الأزل أن يكون فردا ، وعوذه بالسبع المثاني.

وقال المنتظرون : هذا الإمام ، وهذا اليوم الموعود.

وجعلت الكيسانية في ظلال كيسه ، وسجل عليهم بالطاعة في يوم مشهود ، ونظر إلى الجبرية شزرا ، فمشى كل منهم على كره الهوينا ؛ كأنه جاء جبرا ، وعلمت النجارية أن صنعها ، لا يقابل هذا العظيم النجار ، ونادت الضرارية : لا ضرر في الإسلام ، ولا ضرار.

وتطلع على القدرية ، فعبس كل منهم وبسر ، ثم أقبل واستصغر ، وكان من الذباب أقل وأحقر ، فقتل كيف قدر ، وانعطف إلى المرجئة ، وما أرجأهم ، وجعل العدمية منه خالدية في الهون ، وساءهم بنارهم ، ودعا الحلولية فحل عليهم ما هو أشد من المنية ، وأصبحت الباطنية تأخذ أقواله ولا تتعدى مذهب الظاهرية.

وأما الحشوية ، قبح الله صنعهم ، وفضح على رءوس الأشهاد جمعهم ، فشربوا كأسا قطع أمعاءهم ، وهربوا فرارا إلى خسي الأماكن حتى عدم الناس محشاهم ، وصار القائل بالجبهة في أخس الجهات ، وعرض عليه كل جسم وهو يضرب بسيف الله الأشعري ويقول : هَلْ مِنْ مَزِيدٍ سورة ق آية 30 ، هات ، حتى نادوا بالثبور ، وزال عن الناس افتراؤهم ومكرهم وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ سورة فاطر آية 10 .

وأما النصارى واليهود ؛ فأصبحوا جميعا وقلوبهم شتى ، ونفوسهم حيارى ، ورأيت الفريقين سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى سورة الحج آية 2 ، وما من نصراني رآه ، إلا وقال : أيها الفرد ، لا نقول بالتثليث بين يديك ، ولا يهودي إلا سلم.

وقال : إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ سورة الأعراف آية 156 ، هذا ما يتعلق بعقائد العقائد ، وفرائد القلائد.

وأما علوم الحكماء ؛ فلقد تدرع بجلبابها ، وتلفع بأثوابها ، وتسرع في طلبها حتى دخل من كل أبوابها ، وأقسم الفيلسوف : إنه لذو قدر عظيم ، وقال المنصف في كلامه : هذا مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ سورة هود آية 1 ، وآلى ابن سينا بالطور إليه من أن قدره دون هذا المقدار ، وعلم أن كلامه المنثور وكتابه المنظوم ، يكاد سنا برقهما يذهب بالأبصار ، وفهم صاحب إقليدس أنه اجتهد في الكواكب ، وأطلعها سوافر ، وجد حتى أبرزها في ظلام الضلال غرر نهار ، لا يتمسك بعصم الكوافر.

وأما الشرعيات تفسيرا ، وفقها : وأصولا : وغيرها ؛ فكان بحرا لا يجارى وبدرا ، إلا أن هداه يشرق نهارا ، هذا هو العلم ، كيف يليق أن يتغافل المؤمن عن هذا ؟ وهذا هو دواء الذهن الذي كان أسرع إلى كل دقيق نفاذا ، وهذا هو الحجة الثابتة على قاضي العقل والشرع ، وهذه هي الحجة التي يثبت فيها الأصل ، ويتفرع الفرع ، ما القاضي عنده إلا خصم ، هذا الجلل إن ماثله إلا ممن تلبس بما لم يعط ، ولم يقف عند حد له ، ولا رسم ، وما البصري إلا فاقد بصره ، وإن رام لحاق نظره ؛ فقد فقد نظر العين ، ولا أبو المعالي ، إلا ممن يقال له : هذا الإمام المطلق ، إن كنت إمام الحرمين.

ولقد أجاد ابن عنين ، حيث يقول فيه : ماتت به بدع تمادى عمرها دهرا وكاد ظلامها لا ينجلي وعلا به الإسلام أرفع هضبة ورسا سواه في الحضيض الأسفل غلط امرؤ بأبي علي قاسه هيهات قصر عن هداه أبو علي لو أن رسطاليس يسمع لفظة من لفظه لعرته هزة أفكل ولحار بطليموس لو لاقاه من برهانه في كل شكل مشكل وَلَوَ انَّهُمْ جمعوا لديه تيقنوا أن الفضيلة لم تكن للأول ولد الإمام : سنة ثلاث وأربعين ، وقيل : أربع وأربعين وخمس مائة.

واشتغل على والده الشيخ ضياء الدين عمر ، وكان من تلامذة محيي السنة أبي محمد البغوي ، وقرأ الحكمة على المجد الجيلي بمراغة.

وتفقه على : الكمال السمناني ، ويقال : إنه حفظ الشامل في علم الكلام لإمام الحرمين ، وكان أول أمره فقيرا ، ثم فتحت عليه الأرزاق ، وانتشر اسمه ، وبعد صيته ، وقصد من أقطار الأرض لطلب العلم.

وكانت له يد طولى في الوعظ بلسان العربي والفارسي ، ويلحقه فيه حال ، وكان من أهل الدين والتصوف ، وله يد فيه ، وتفسيره ينبئ عن ذلك ، وعبر إلى خوارزم بعد ما مهر في العلوم ، فجرى بينه وبين المعتزلة مناظرات ، أدت إلى خروجه منها ، ثم قصد ما وراء النهر ، فجرى له أشياء نحو ما جرى بخوارزم ، فعاد إلى الري ، ثم اتصل بالسلطان شهاب الدين الغوري ، وحظي عنده ، ثم بالسلطان الكبير علاء الدين خوارزمشاه محمد بْن تكش ، ونال عنده أسنى المراتب ، واستقر عنده بخراسان.

واشتهرت مصنفاته في الآفاق ، وأقبل الناس على الاشتغال بها ، ورفضوا كتب المتقدمين ، وأقام بهراة ، وكان يلقب بها شيخ الإسلام ، وكان كثير الإزراء بالكرامية.

فقيل : إنهم وضعوا عليه من سقاه سما ، فمات.

وكان خوارزمشاه يأتي إليه ، وكان إذا ركب يمشي حوله نحو ثلاث مائة نفس من الفقهاء وغيرهم ، وكان شديد الحرص جدا في العلوم ، وأصحابه أكثر الخلق تعظيما له ، وتأدبا معه ، له عندهم المهابة الوافرة.

ومن تصانيفه : ( التفسير ) ، و( المطالب العالية ) ، و( نهاية العقول ) ، و( الأربعين ) ، و( المحصل ) ، و( البيان ) ، و( البرهان في الرد على أهل الزيغ والطغيان ) ، و( المباحث العمادية ) ، و( المحصول ) ، و( عيون المسائل ) ، و( إرشاد النظار ) ، و( أجوبة المسائل البخارية ) ، و( المعالم ) ، و( تحصيل الحق ) ، و( الزبدة ) ، و( شرح الإشارات ) ، و( عيون الحكمة ) ، و( شرح الأسماء الحسنى ).

وقيل : ( شرح مفصل الزمخشري ) ، في النحو ، و( وجيز الغزالي ) في الفقه ، و( سقط الزند ) لأبي العلاء ، وله طريقة في الخلاف ، ومصنف في مناقب الشافعي حسن ، وغير ذلك.

وأما كتاب ( السر المكتوم في مخاطبة النجوم ) ؛ فلم يصح أنه له ؛ بل قيل : إنه مختلق عليه.

حكى الأديب شرف الدين محمد بْن عنين أنه حضر درسه مرة وهو شاب ، وقد وقع ثلج كبير ، فسقطت بالقرب منه حمامة ، وقد طردها بعض الجوارح ، فلما وقعت رجع عنها الجارح ، فلم تقدر الحمامة على الطيران من الخوف والبرد ، فلما قام الإمام من الدرس ؛ وقف عليها ، ورق لها ، وأخذها.

قال ابن عنين : فقلت في الحال : يابن الكرام المطعمين إذا شتوا في كل مسغبة وثلج خاشف العاصمين إذا النفوس تطايرت بين الصوارم والوشيج الراعف من أنبأ الورقاء أن محلكم حرم وأنك ملجأ للخائف وفدت إليك وقد تدانى حتفها فحبوتها ببقائها المستأنف لو أنها تحبى بمال لانثنت من راحتيك بنائل متضاعف جاءت سليمان الزمان بشكوها والموت يلمع من جناحي خاطف قدم لواه الفوت حتى ظله بإزائه يجري بقلب واجف واعلم أن شيخنا الذهبي ذكر الإمام في كتاب ( الميزان ) ، في الضعفاء ، وكتبت أنا على كتابه حاشية ، مضمونها أنه ليس لذكره في هذا المكان معنى ، ولا يجوز من وجوه عدة ، أعلاها أنه ثقة حبر من أحبار الأمة ، وأدناها أنه لا رواية له ، فذكره في كتب الرواة مجرد فضول ، وتعصب وتحامل تقشعر منه الجلود.

وقال في الميزان : له كتاب ( أسرار النجوم ) سحر صريح.

قلت : وقد عرفنا أن هذا الكتاب مختلق عليه ، وبتقدير صحة نسبته إليه ليس بسحر ، فليتأمله من يحسن السحر ، ويكفيك شاهدا على تعصب شيخنا عليه ذكره إياه في حرف الفاء ؛ حيث قال : الفخر الرازي ، ولا يخفى أنه لا يعرف بهذا ، ولا هو اسمه ، أما اسمه فمحمد ، وأما ما اشتهر به فابن الخطيب ، والإمام ، فإذا نظرت أيها الطارح رداء العصبية عن كتفيه ، الجانح إلى جعل الحق بمرأى عينيه ، إلى رجل عمد إلى إمام من أئمة المسلمين ، وأدخله في جماعة ليس هو منهم ؛ أعني : رواة الحديث ، فإن الإمام لا رواية له ، ودعاه باسم لا يعرف به.

ثم نظرت إلى قوله في آخر الميزان : إنه لم يتعمد في كتابه هوى نفس ، وأحسنت بالرجل الظن ، وأبعدته عن الكذب ، أوقعته في التعصب.

وقلت : قد كرهه لأمور ظنها مقتضية الكراهة ، ولو تأملها المسكين حق التأمل ، وأوتي رشده ؛ لأوجبت له حبا عظيما في هذا الإمام ، ولكنها الحاملة له على هذه العظيمة ، والمردية له في هذه المصيبة العميمة ، نسأل الله الستر والسلامة.

وذكر أن الإمام وعظ يوما بحضرة السلطان شهاب الدين الغوري ، وحصلت له حال ، فاستغاث : يا سلطان العالم ، لا سلطانك يبقى ، ولا تلبيس الرازي يبقى ، وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ سورة غافر آية 43 .

وبلغ من أمر الحشوية ، أن كتبوا له رقاعا ، فيها أنواع السيئات ، وصاروا يضعونها على منبره ، فإذا جاء قرأها ، فقرأ يوما رقعة ، ثم استغاث في هذه الرقعة : أن ابني يفعل كذا ، فإن صح هذا ؛ فهو شاب أرجو له التوبة ، وأن امرأتي تفعل كذا ، فإن صح هذا ؛ فهي امرأة لا أمانة لها ، وأن غلامي يفعل كذا ، وجدير بالغلمان كل سوء إلا من حفظ الله ، وليس في شيء من الرقاع ، ولله الحمد ، أن ابني يقول : إن الله جسم ، ولا يشبه به خلقه ، ولا أن زوجتي تعتقد ذلك ولا غلامي ، فأي الفريقين أوضح سبيلا ؟ قال أبو عبد الله الحسن الواسطي : سمعت الإمام بهراة ينشد على المنبر ، عقيب كلام عائب فيه أهل البلد : المرء ما دام حيا يستهان به ويعظم الرزء فيه حين يفتقد

السابق

|

| من 4

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة