مرحباً بكم فى موسوعة الحديث الشريف على شبكة إسلام ويب

الكتب » [ 1126 ] - س : حرب بْن أَبِي حرب » [ 1126 ] - س : حرب بْن أَبِي حرب

بسم اللَّه الرحمن الرحيم مقدمة المصنف الحمد لِلَّهِ الَّذِي سبق الأزمان وابتدعها ، والأكوان واخترعها ، والجواهر وجمعها ، والأجسام وصنعها ، والسماء ورفعها ، والأنوار وشعشعها ، والشمس وأطلعها ، والمياه وأنبعها ، والأقوات ووزعها ، منع آلات الحس عَن إدراكه وقطعها ، ووهب لنفس الآدمي نفائس المعارف وأقطعها وخصها دُونَ الخلائق بمعاني أودعها ، فعلمت أَنَّهَا أين كانت ، وكيف كانت فَهُوَ معها.

أحمده عَلَى نعم أكثرها وأوسعها ، وأشهد بوحدانيته من براهين أكدت مَا أودعها إِلَى نفس تقر أَنَّهُ يعلم مستقرها ومستودعها.

وأصلي عَلَى رسوله مُحَمَّد أشرف من جاء بملة وشرعها ، وألطف من ضاقت حاله عَلَى أمته فوسعها ، وعلى أَصْحَابه وأتباعه إِلَى أَن تسكن كُل نفس من الْجَنَّة والنار موضعها ، أما بَعْد : فإني رأيت النفوس تشرئب إِلَى معرفة بدايات الأشياء ، وتحب سماع أخبار الأنبياء ، وتحن إِلَى مطالعة سير الملوك والحكماء ، وترتاح إِلَى ذكر مَا جرى للقدماء.

ورأيت المؤرخين يختلف مقادهم فِي هذه الأنباء ، فمنهم من يقتصر عَلَى ذكر الأنبياء الابتداء ، وَمِنْهُم من يقتصر عَلَى ذكر الملوك والخلفاء ، وأهل الأثر يؤثرون ذكر الْعُلَمَاء يحبون أحاديث الصلحاء ، وأرباب الأرب يميلون إِلَى أَهْل الأدب والشعراء ، ومعلوم الكل مطلوب ، والمحذوف من ذَلِكَ مرغوب ، فآتيتك بِهَذَا الكتاب الجامع لغرض كُل سامع يحوي المراد من جميع ذَلِكَ ، والله المرشد إِلَى أصوب المسالك.

ذكر ترتيب هَذَا الكتاب وأبتدئ بعون اللَّه وتوفيقه ، وأذكر الدليل عَلَى وجود الصانع سبحانه وتعالى ، ثُمَّ أردف بذكر أول المخلوقات ، ثُمَّ مَا يلي ذَلِكَ من الموجودات عَلَى ترتيب الوجود فِي الحادثات إلا أَن يخفى زمان حادث ، فيذكر فِي الجملة ، ثُمَّ أتبع ذَلِكَ بذكر آدَم عَلَيْهِ السَّلام وأحواله وَمَا جرى لَهُ ، ثُمَّ أذكر عظائم الحوادث الَّتِي كانت فِي زمانه ، ومن كَانَ فِي مدة ولايته من أَهْل الخير ، وروس أَهْل الشر ، ثُمَّ أذكر من خلفه من أولاده ، وَمَا حدث فِي زمان ذَلِكَ الخالف من الأحداث ، ومن كَانَ فِي وقته من أَهْل الخير والشر ، ثُمَّ من يخلف ذَلِكَ كَذَلِكَ إِلَى زمان نبينا مُحَمَّد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فيندرج فِي ذَلِكَ ذكر الأنبياء والملوك وَالْعُلَمَاء والزهاد والحكماء والفراعنة والنماردة ، ومن لَهُ خبر يصلح إيراده من العوام ، وَمَا يحسن ذكره من الأمور والحوادث فِي كُل زمن.

فَإِذَا آل الأمر إِلَى نبينا عَلَيْهِ الصلاة والسلام أبتدأ بذكر مولده ونسبه ، وذكر عيون مَا جرى فِي سَنَة مولده من الحوادث ، ثُمَّ مَا جرى فِي سنته الثَّانِيَة من مولده كَذَلِكَ إِلَى زمان نبوته ، ثُمَّ بذكر مَا جرى فِي كُل سَنَة من سني النبوة إِلَى سَنَة هجرته إِلَى المدينة.

فَإِذَا انتهينا إِلَى مفتتح سني الهجرة ، وَهِيَ الَّتِي عَلَيْهَا التاريخ إِلَى اليوم ذَكَرْنَا مَا كَانَ فِي كُل سَنَة من الحوادث المستحسنة والمهمة ، وَمَا لا بأس بذكره ، ونضرب عَن مَا لا طائل فِي الإطالة بِهِ تحته مِمَّا يضيع الزمان بكتابته ، إِمَّا لعدم صحته ، أَوْ لفقد فائدته.

فَإِن خلفا من المؤرخين ملؤوا كتبهم بِمَا يرغب عَن ذكره تارة من المبتدءات البعيدة الصحة المستهجن ذكرها عِنْدَ ذوي العقول ، كَمَا قَدْ ذكر فِي مبتدأ وهب بْن منبه وغيره من الأخبار الَّتِي تجري مجرى الخرافات ، وتارة يذكر حوادث لا معنى لَهَا ولا فائدة ، وتارة أحوال ملوك يذكر عَنْهُم شرب الخمر ، وفعل الفواحش ، وتصحيح ذَلِكَ عَنْهُم عزيز ، فَإِن صح ذَلِكَ إشاعة الفواحش ، وإن لَمْ يصح كَانَ فِي مرتبة القذف ، وَهُوَ فِي العاجل يهون عَلَى أبناء الجنس مَا هُمْ فِيهِ من الزلل عَلَى أَن الأخبار لا تسلم من بَعْض هَذَا.

ومن أَعْظَم خطأ السلاطين والأمراء نظرهم فِي سياسات متقدميهم ، وعملهم بمقتضاها من غَيْر فيما ورد بِهِ الشرع ، ومن خطأهم تسمية أفعالهم الخارجة عَن الشرع سياسة لأن الشرع هُوَ السياسة لا عمل السلطان برأيه وهواه ، ووجه خطأهم فِي ذَلِكَ أَن مضمون قولهم يقتضي أَن الشرع لَمْ يرد بِمَا يكفي فِي السياسة ، فاحتجنا إِلَى تتمة من رأينا ، فَهُمْ يَقْتُلُونَ من لا يَجُوز قتله ، ويفعلون مَا لا يحل فعله ، ويسمون ذَلِكَ سياسة.

فصل واعلم أَن فِي ذكر السير والتواريخ فوائد كثيرة ، أهمها فائدتان ، أحدهما : أَنَّهُ إِن ذكرت سيرة حازم ، ووصفت عاقبة حاله علمت حسن التدبير ، واستعمال الحزم ، وإن ذكرت سيرة مفرط ، ووصفت عاقبته خويت من التفريط فيتأدب المسلط ، ويعتبر المتذكر ، ويتضمن ذَلِكَ شحذ صوارم العقول ، ويكون روضة للمتنزه فِي المنقول.

وَالثَّانِيَة أَن يطلع بِذَلِكَ عَلَى عجائب الأمور ، وتقلبات الزمن ، وتصاريف القدر ، والنفس تجد راحة بسماع الأخبار.

وَقَالَ أَبُو عَمْرو بْن العلاء لرجل من بَكْر بْن وائل : قَدْ كبر حَتَّى ذهب منه لذة المأكل والنكاح والمشرب ، أتحب أَن تموت ؟ قَالَ : لا ، قيل : فَمَا بقي من لذتك فِي الدنيا ؟ قَالَ : أسمع بالعجائب.

فصل فَإِذَا أنهينا ذكر المهم من الحوادث والحالات فِي كُل سَنَة ذَكَرْنَا من مَات فِي تلك السنة من الأكابر ، ويتعرض بذكر الجرح والتعديل ، وَقَدْ يختلف فِي سَنَة موته فنذكر الأصح ، وذكر هَذَا من الحوادث أَيْضًا ، وترتب أسماؤهم فِي كُل سَنَة عَلَى الحروف ، فنقدم من اسمه عَلَى حرف الألف عَلَى الباء ، فَإِن خفي زمان موت ذاك الشخص ذكرناه مَعَ أقرانه.

فَقَدِ اجتمع فِي كتابنا هَذَا ذكر الأنبياء ، والسلاطين ، والأحداث والمحدثين ، وَالْفُقَهَاء والمحدثين ، والزهاد والمتعبدين ، والشعراء والمتأدبين ، وَفِي الجملة جميع المتميزين من أَهْل الخير والشر أجمعين ، فيحصل بِمَا يذكره مراد المسامر والمحدث ، ومقصود الناقل المحدث ، فكان هَذَا الكتاب مرآة يرى فِيهَا العالم كُلهُ ، والحوادث بأسرها إلا أَن يَكُون من لا وقع لَهُ ، فليس لِذَلِكَ ذكر أَوْ حادثة لا يغنى تحتها ، ولا وجه لذكرها ، وَقَدِ انتقى نقى كتابنا التواريخ كلها ، وأغنى من يعنى بالمهم منها عَنْهَا ، وجمع محاسن الأحاديث والأخبار بالتواريخ ، وانتخب أَحْسَن الأشعار عِنْدَ ذكر قائلها ، وسلم من فضول الحشو ومرذول الْحَدِيث ، ومن لَمْ يدخل فِيهِ مَا يصلح حذفه.

وَقَدْ كنت عزمت عَلَى مد النفس فِيهِ بزيادة الأسانيد ، وجمع وشرح أخبار الشخص كلها ، ثُمَّ أَن رَأَيْت تخير الأوساط خير من الانبساط ، فأخذت فِي كف الكف عَن التطويل ، وحذف أَكْثَر الأسانيد لئلا يوجب الطول بحر الكتاب ، عَلَى أَنَّهُ كثير بالإضافة إِلَى قلة الهمم ، والله ملهم الإصابة ، ومسعف الإجابة بمنه.

ذكر الدليل عَلَى وجود الخالق سبحانه وتعالى قَدْ ثبت عِنْدَ العقول السليمة أَن العالم كُلهُ حادث ، وكل حادث فلحدوثه سبب ، والدليل عَلَى أَن العالم حادث أَن العالم كُل موجود سِوَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ، والموجود إِذَا كَانَ متحيزا غَيْر مؤتلف سمي جوهرا فردا ، فَإِن ائتلف إِلَى غيره سمي جسما ، والعرض مَا قام بغيره كاللون والطعم ، وَهَذِهِ الموجودات لا تخلو من الحوادث كالحركة والسكون ، وكل مَا يخلو من الحوادث.

ومعنى قولنا حادث أَنَّهُ وجد بَعْد عدمه ، فلا يخلو وجوده قبل أَن يَكُون محالا أَوْ ممكنا ، ولا يَجُوز أَن يَكُون محالا ؛ لأن المحال لا يوجد أبدا.

فثبت أَنَّهُ ممكن ، والممكن مَا يَجُوز أَن يوجد ، ويجوز أَن لا يوجد ، فلا بد لوجوده من مرجح لَهُ عَلَى العدم ، وَهَذَا أمر ضروري فِي العقل لا نزاع فِيهِ ، فظهر منه أَنَّهُ لا بد للموجودات من موجد أوجده.

فَإِن قيل : يبطل هَذَا بالخالق فَإِنَّهُ موجود لا بموجد ، قلنا : الخالق واجب الوجود لَمْ يزل ، وَهَذِهِ الأشياء جائزة الوجود ، وبدت بَعْد عدم فافتقر إِلَى موجد.

ويزيد مَا قلنا إيضاحا فنقول : اعلم أَن الأدلة عَلَى إثبات الصانع بعدد أجزاء أعيان الموجودات كلها ، إذ مَا من شَيْء إلا وفيه دليل عَلَى صانعه ، وَفِي كُل شَيْء لَهُ آية تَدُل عَلَى أَنَّهُ واحد ، وَقَدْ ثبت فِي الأزمان أَنَّهُ لا كتابة إلا بكاتب ، ولا بناء إلا ببان ، ومن الدليل عَلَيْهِ نظم العالم وتركيبه وترتيبه ، وإحكام صنعته ، فَإِن تفكرت فِي هذه عَلَى لطف جرمها كَيْفَ كونت ، وركبت أعضاؤها ، ثُمَّ قَدْ ركب فِيهَا علم مصالحها ، واجتناب مضارها ، ومناقد أغذيتها ، وسمعها وبصرها.

ومن أعجب الأدلة عَلَيْهِ تفاوت الهمم والطباع والصور ، فَإِن تكونت بالطبع لتساوت ، وَقَدْ أشار عَزَّ وَجَلَّ إِلَى ذَلِكَ بقوله : يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الأُكُلِ سورة الرعد آية 4 .

فَإِن قَالَ قائل جاهل : منها ومن فعل الطبيعة.

قلنا إِن كانت حية عالمة قادرة حكيمة ، فليس خلافنا إلا فِي الاسم ، وإن لَمْ يكن عَلَى هذه الأوصاف لَمْ يتصور عَنْهَا فعل محكم.

ومن ألطف الأدلة عَلَى وجوده : وَلَهُ النفوس ، وقرع القلوب إِذَا نابت نائبة إِلَيْهِ ، والكلام فِي هَذَا المعنى قَدِ استوفي فِي مسائل الأصول ، ولما كَانَ هَذَا الكتاب لَمْ يوضع لِذَلِكَ اقتصرنا عَلَى هذه النبذة ، وَقَدْ قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ سورة الحديد آية 3 .

1998-2017 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة