مرحباً بكم فى موسوعة الحديث الشريف على شبكة إسلام ويب

فإن أهل التاريخ ربما وضعوا من أناس ، ورفعوا أناسا ؛ إما لتعصب ، أو لجهل ، أو لمجرد اعتماد عَلَى نقل من لا يوثق بِهِ ، أو غير ذلك من الأسباب.

والجهل فِي المؤرخين أكثر منه فِي أهل الجرح والتعديل ، وكذلك التعصب قل أن رأيت تاريخا خاليا من ذلك.

وأما تاريخ شيخنا الذهبي ، غفر اللَّه لَهُ ، فإنه عَلَى حسنه وجمعه ، مشحون بالتعصب المفرط ، لا واخذه اللَّه ، فلقد أكثر الوقيعة فِي أهل الدين ، أعني : الفقراء الذين هم صفوة الخلق ، واستطال بلسانه عَلَى كثير من أئمة الشافعيين والحنفيين ، ومال فأفرط عَلَى الأشاعرة ، ومدح فزاد فِي المجسمة ، هَذَا وَهُوَ الحافظ المدره ، والإمام المبجل ، فما ظنك بعوام المؤرخين ؟ فالرأي عندنا : ألا يقبل مدح ولا ذم من المؤرخين ، إلا بما اشترطه إمام الأئمة ، وحبر الأمة ، وَهُوَ : الشَّيْخ الإِمَام الوالد ، رحمه اللَّه ، حيث قَالَ ، ونقلته من خطه فِي مجاميعه : يشترط فِي المؤرخ الصدق ، وإذا نقل يعتمد اللفظ دون المعنى ، وألا يكون ذلك الذي نقله أخذه فِي المذاكرة ، وكتبه بعد ذلك ، وأن يسمى المنقول عنه ، فهذه شروط أربعة فيما ينقله ، ويشترط فيه أَيْضًا لما يترجمه من عند نفسه ، ولما عساه يطول فِي التراجم من المنقول ، ويقصر أن يكون عارفا بحال صاحب الترجمة ، علما ودينا ، وغيرهما من الصفات ، وهذا عزيز جدا ، وأن يكون حسن العبارة ، عارفا بمدلولات الألفاظ.

وأن يكون حسن التصور حتى يتصور حال ترجمته جميع حال ذلك الشخص ، ويعبر عنه بعبارة لا تزيد عَلَيْهِ ، ولا تنقص عنه ، وأن لا يغلبه الهوى ، فيخيل إليه هواه الإطناب فِي مدح من يحبه ، والتقصير فِي غيره ، بل إما أن يكون مجردا عن الهوى ، وَهُوَ عزيز ، وإما أن يكون عنده من العدل ما يقهر بِهِ هواه ، ويسلك طريق الإنصاف.

فهذه أربعة شروط أخرى ، ولك أن تجعلها خمسة ؛ لأن حسن تصوره وعلمه ، قد لا يحصل معهما الاستحضار حين التصنيف ، فيجعل حضور التصور زائدا عَلَى حسن التصور والعلم ، فهي تسعة شروط فِي المؤرخ ، وأصعبها : الاطلاع عَلَى حال الشخص فِي العلم ، فإنه يحتاج إِلَى المشاركة فِي علمه ، والقرب منه حتى يعرف مرتبته ، انتهى.

وذكر أن كتابته لهذه الشروط كانت بعد أن وقف عَلَى كلام ابْن معين فِي الشافعية ، وقول أَحْمَد بْن حنبل : إنه لا يعرف الشافعي ، ولا يعرف ما يقول.

قلت : وما أحسن قوله : ولما عساه يطول فِي التراجم من المنقول ويقصر ، فإنه أشار بِهِ إِلَى فائدة جليلة يغفل عنها كثيرون ، ويحترز منها الموفقون ، وهي تطويل التراجم وتقصيرها ، فرب محتاط لنفسه لا يذكر إلا ما وجده منقولا ، ثم يأتي إِلَى من يبغضه ، فينقل جميع ما ذكر من مذامه ، ويحذف كثيرا مما نقل من ممادحه ، ويجئ إِلَى من يحبه ، فيعكس الحال فيه .1

السابق

|

| من 16

1998-2019 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة