الجاليات الإسلامية في أوروبا

14525 0 563

استطاعت بعض الجاليات أن تجد لنفسها مواقع سياسية واقتصادية واجتماعية في الدول التي تعيش فيها نُبوءة : " الدولة العثمانية حُبلى بدولة أوروبية وستلد يومًا ما ، وأوروبا حُبلى بدولة إسلامية وستلد يومًا ما " !!
الجاليات ستظل عنصرًا منفعلاً لا فاعلاً ، وواقعة تحت تأثير الأخرين ، ما لم تُفكر أو يُفكَّر لها !! .
الحروب الصليبية والفتوحات الإسلامية قديمًا ، وهجرات المسلمين حديثًا ، أهم منافذ الإسلام إلى أوروبا .
المسلمون في فرنسا (5) ملايين، وفي ألمانيا (3) ملايين، وفي بلغاريا (3) ملايين، وفي بريطانيا (مليونين)، (ومليون) بايطاليا .
بلجيكا والنمسا والسويد وفنلندا تعترف بالإسلام وتدعم التعليم الإسلامي .
تضاءل عدد المسلمين بشرق أوروبا نتيجة للطرد والاضطهاد ، رغم خضوعها للحكم العثماني قرونًا طويلة .
يتعدد النشاط الإسلامي في ايطاليا عبر الكثير من المؤسسات الإسلامية أهمها المركز الإسلامي الكبير في روما .
كان للملك فيصل (رحمه الله) دور كبير في إنشاء المراكز الإسلامية الكبرى في العواصم الأوروبية .
العنصرية تطل برأسها الأخطبوطي في معظم الدول الأوروبية، والشواهد الصارخة علي ذلك كثيرة .
المناهج الدراسية الأوروبية تصور المسلمين باعتبارهم: (برابرة) (ووحوشًا) و(سفاكي دماء) .
عدم الاعتراف الأوروبي بالدين الإسلامي منبع الكثير من مشكلات الجاليات الإسلامية هناك .
زواج المسلم بأوروبية غير مسلمة ينجم عنه مشاكل اجتماعية معقدة يذهب ضحيتها الزوج والأطفال !!
مشكلات نابعة من واقع الجاليات : الجهل بالأحكام الشرعية ـ ضعف الصلة بالإسلام _ تدنِّي مستوى المعيشة .
مؤشرات خطيرة للعداء المتزايد ضد الإسلام والمسلمين والجاليات الإسلامية في وسائل الإعلام الأوروبية .
الاستشراق ليس علمًا ، بل أيديولوجية خاصة يراد بها ترويج تصورات مشوهة عن الإسلام .
من مشكلات الجاليات: غياب التنسيق وبروز الشعوبية ـ ضعف التمثيل السياسي ـ قصور التعليم والإعلام الإسلامي .
ضرورة مناسبة الخطاب الإسلامي للعقلية الأوروبية وتحرير ترجمات أمينة لمعاني القرآن الكريم .
الفضائيات العربية عمادها التجهيل والاستهتار بعقل المتلقي العربي والمسلم.
دعم جهود التنسيق والتكافل وتصحيح صورة الإسلام أبرز حلول مشكلات الجاليات الإسلامية في أوروبا .
__________________

الجالية الإسلامية هي مجموعة من المسلمين تعيش في مناخ غير متعاطف معها ـ غالبًا أو أحيانًا ـ بفكر مستقل، بسلوك مستقل، لا يتفق ومعتقد الأخرىن، ومن ثم يعاملون كأقلية في المجتمع الذي أكثريته على غير دين الأقلية، على غير جنس الأقلية، على غير سلوك الأقلية.
   وهذه واحدة من أكثر القضايا الإسلامية تفجّرًا وحيوية ، لأنها تمس أوضاع ومصالح ملايين المسلمين الذين يعيشون خارج ديار الأوطان (الأم)، ويعانون الكثير من المشاكل التي يسببها لهم الإحساس بالاغتراب وما له من تداعيات مختلفة، ومع ذلك فقد استطاعت بعض هذه الجاليات أن تجد لنفسها مواقع سياسية واقتصادية واجتماعية في الدول التي تعيش فيها، معطية صورة إيجابية لأهلية الإنسان المسلم لاحتلال مكان الصدارة، ولفرض احترامه وتقديره وإفساح الطريق أمامه.
   ويثير كثير من الباحثين قضية اختراق الإسلام قلب المجتمعات الأوروبية فيما يطلقون عليه (حدودًا جديدة لدار الإسلام)، أو بتعبير (جيل كيبل) ، (ضواحي الإسلامي) ، وهم يقصدون بذلك الوجود الإسلامي المتنامي في أوروبا، مع الاختلاف في الوزن الكمي له من بلد إلى آخر، بحيث أصبحنا إزاء كتلة إسلامية تدين بالإسلام وتمارسه في واقعها اليومي في القارة الأوروبية، وقد يتحقق الشق الثاني لمقولة أو (نبوءة) الإمام والعالم التركي الشهير (بديع الزمان سعيد النورسي) في مطلع القرن العشرين: "إن الدولة العثمانية حُبلي بدولة أوروبية وستلد يومًا ما، وإن أوروبا حُبلي بدولة إسلامية وستلد يومًا ما.." وإذا كان الشق الأول من المقولة ـ النبوءة قد تحقق، بحيث ولدت الدولة العثمانية تركيا التي لحقت بأوروبا، فإن الشق الثاني في طريقه للتحقق حيث ينتشر الإسلام بجاذبيته وشموليته وقوته الذاتية، حتى مع ضعف أبنائه.
   والواقع أن وضع الجاليات الإسلامية في أوروبا اليوم لينطبق عليها قول أحد القسس، حيث يخاطب أقليته التي تعيش في مجتمع آخر، نستعير هذا القول لنقول: (أنتم أيها المسلمون في البيئات الأوروبية كأنكم في جزيرة صغيرة وسط محيط كبير، وأن الأمواج تعصف بها من كل جانب، وما لم تعملوا شيئًا لحماية هذه الجزيرة فإنها ستصبح يومًا ما جزءًا من هذا المحيط الزاخر)!!
ثلاثة أبواب
   وهذا الكتاب ـ الذي يقع في 320 صفحة من القطع الكبير ـ يعرض لأوضاع الجاليات الإسلامية في أوروبا من خلال ثلاثة أبواب: المنافذ ـ المشكلات ـ الحلول، تنقسم إلى اثني عشر فصلاً، لكل باب أربعة فصول.
   يعرض الباب الأول لمنافذ الإسلام إلى أوروبا، فالفصل الأول منه يشير إلى هذه المنافذ في دول غرب أوروبا (بريطانيا ـ فرنسا ـ بلجيكا ـ هولندا)، والفصل الثاني في دول وسط أوروبا (ألمانيا ـ سويسرا ـ النمسا ـ بولندا ـ المجر ـ تشيكوسلوفاكيا)، والفصل الثالث في جنوب أوروبا (أسبانيا ـ ايطاليا ـ اليونان ـ البرتغال)، بينما الفصل الرابع في شرق وشمال أوروبا (بلغاريا ـ رومانيا ـ السويد ـ الدانمارك ـ النرويج ـ فنلندا).
   ويناقش الباب الثاني مشكلات الجاليات الإسلامية في أوروبا، ففي الفصل الأول منه يستعرض المشكلات النابعة من المجتمعات الأوروبية، وهي: (العنصرية والاضطهاد والتعصب ـ التعليم ـ الحجاب ـ عدم الاعتراف بالدين الإسلامي، والفصل الثاني يعرض للمشكلات النابعة من واقع الجاليات الإسلامية في أوروبا، وهي: (الزواج المختلط ـ العنف والإرهاب ـ مشكلات أخرى) ، ويكشف الفصل الثالث عن مشكلات الجهود المضادة للعمل الإسلامي في أوروبا، وهي: (التشويه الإعلامي والثقافي ـ الاستشراق ـ الازدواجية الفكرية ـ طمس الهوية الإسلامية وفرض الاندماج ـ التنصير ـ الصهيونية - والقاديانية- والبهائية) فيما يشير الفصل الرابع إلى مشكلات قصور العمل الإسلامي في أوروبا، وهي: (غياب التنسيق، وبروز الشعوبية ـ ضعف التمثيل السياسي ـ قصور الدعوة الإسلامية ـ قصور التعليم والإعلام الإسلامي ).
   ويقترح الباب الثالث الحلول لمشكلات الجاليات الإسلامية في أوروبا، من خلال الفصل الأول الذي يقدم الأسلوب الأمثل للدعوة والدعاة، من حيث: الإعداد والمنهج والأسلوب، ويوجه الفصل الثاني إلى خطة لتطوير الإعلام والتعليم الإسلامي، فيما يدعو الفصل الثالث إلى دعم جهود التنسيق والتكافل في أوساط الجاليات، ويؤكد الفصل الرابع على ضرورة الحوار والتفاهم مع المجتمعات الغربية، وتصحيح صورة الإسلام.
وبعد هذه الومضات الموجزة السريعة لموضوعات الكتاب، نتناول فيما يلي أبوابه وفصوله بشيء من التفصيل.
منافذ الإسلام :
   في المقدمة أوضح الباحث أن الجاليات الإسلامية في أوروبا ستبقي عنصرًا منفعلاً لا فاعلاً، وستظل عاجزة عن التأثير في المجتمعات الأوروبية، وواقعة تحت تأثير الأخرىن، ما لم تُفكَّر أو يُفكَّر لها، وتوجه صوب أهداف ومراكز فاعلة، لذلك يتعين أن يأخذ الأمر وجهة مدروسة، وجهودًا منظمة، واستثمار فرص الحرية النسبية المتاحة في المجتمعات الأوروبية ليس كمناخ لنمو الخلافات والنزعات الإقليمية والولاءات السياسية كما هو واقع بل لإنبات بذور مثمرة وعطاء مستمر للقضايا الإسلامية.
   وفي الباب الأول وبعد أن يعرض المؤلف للملامح الطبيعية لقارة أوروبا، من حيث الموقع والمساحة (10.5 مليون كم2) وعدد السكان (600 مليون نسمة)... إلخ، يتتبع المنافذ الرئيسة للإسلام إلى أوروبا من خلال المسالك التالية :
   1. الفتوحات الإسلامية: والتي بدأت عام (711م) بفتح أسبانيا (الأندلس الإسلامية)، وما تلا ذلك من فتح أجزاء من فرنسا وإيطاليا، ثم البلقان وشرق أوروبا على أيدي العثمانيين.
   2. الحروب الصليبية: حيث تعرفت الشعوب الأوروبية عن قرب بالإسلام والمسلمين من خلال تسع حملات صليبية متتابعة حاقدة شنتها الكنيسة الكاثوليكية على ديار الإسلام.
   3. هجرات العمال المسلمين إلى أوروبا بغرض العمل والارتزاق، علي مدي مراحل زمنية ثلاث: بداية الحقبة الاستعمارية، ومع بداية الحرب العالمية الأولى، وعقب الحرب العالمية الثانية.
   4. العلماء والمتخصصون وأساتذة الجامعات وطلاب الدراسات العليا الذين اجتذبتهم الدول الأوروبية للعمل أو الدراسة أو استكمال أبحاثهم العلمية.
   5. الشباب المسلم الذين دخلوا أوروبا تحت ستار السياحة، مع نية العمل والإقامة، وكذلك اللاجئين السياسيين.
   6. أبناء الدول الأوروبية من حفدة المواطنين الأصليين الذين اعتنقوا الإسلام منذ قرون طويلة، وكذلك عشرات الآلاف من الأوروبيين الذين اعتنقوا الإسلام حديثًا.
ويشير المؤلف في التمهيد لهذا الباب إلى أنه لا يوجد إحصاء دقيق لأعداد الجاليات الإسلامية في أوروبا، وأن كل ما يصدر في هذا الشأن لا يعدو أن يكون تقديرات تقريبية، حيث تُجمع معظم الدراسات الأخيرة علي أن أعدادهم تتراوح حول (30) مليونًا في جميع أنحاء أوروبا، ومع استبعاد الأقليات الإسلامية في دول الاتحاد السوفيتي والاتحاد اليوغسلافي ـ سابقًا ـ يكون عدد الجاليات الإسلامية في باقي أنحاء أوروبا ـ والذين يشكلون محور هذه الدراسة ـ نحو (15) مليون نسمة.
الباب الأول
الفصل الأول
أنشط الجاليات :
   في هذا الفصل من هذا الباب يعرض المؤلف لأوضاع الجاليات الإسلامية في غرب أوروبا، مشيرًا إلى أن نسبة مسلمي هذا القطاع إلى العدد الإجمإلى (138 مليون) يبلغ 5 %، وتعتبر الجالية المسلمة في هذا القطاع من أنشط الجاليات المسلمة في أوروبا.
ففي بريطانيا يقطن نحو مليوني مسلم، معظمهم من الباكستان والهند وماليزيا وشرق أفريقيا والدول العربية، ينتشرون في مناطق عديدة من المملكة المتحدة، وخاصة في (لندن وبرادفورد وكارديف وبرمنجهام ومانشستر وليفربول وليدز) ، من بينهم نحو (30) ألفًا من المهندسين والأطباء والعلماء، والنسبة الغالبة تعمل في قطاع الصناعة، ثم التجارة.
   وتتبع المؤلف مختلف أوجه النشاط الإسلامي في بريطانيا من خلال المراكز الإسلامية الكبرى، والمساجد التي وصل عددها إلى أكثر من (500) مسجد، مقابل (10) مساجد ـ فقط ـ منذ (40) عامًا، وتوجد عشرات المدارس الإسلامية الخاصة، ويعد الأمير تشارلز ـ ولي عهد بريطانيا ـ من أهم المساندين لقضايا المسلمين، وهو الرئيس الشرفي لمركز أكسفورد للدراسات الإسلامية.
   أما في فرنسا فيتراوح عدد المسلمين ما بين (5 ـ 6) ملايين من بين (55) مليون نسمة، بعد أن كانوا مليونين فقط عام (1974)، يتركزون في العاصمة باريس وضواحيها، ومارسيليا، وليون، ونيس، وبوردو، ونانت، وغيرها، ويتوقع ديموجرافيو فرنسا أن الأغلبية في بعض المدن الفرنسية ستكون إسلامية في القرن (21) .
    وعَدَّد المؤلف أوجه النشاط الإسلامي في فرنسا متمثلاً في الكثير من المراكز والمنظمات والمؤسسات الإسلامية، ومن أهمها: رابطة الطلاب المسلمين بباريس، والمركز الثقافي الإسلامي في (لورين)، ومكتب رابطة العالم الإسلامي، ومعهد العالم العربي، والمساجد التي يزيد عددها ـ كما قال مسئول فرنسي ـ عن (1200) مسجد، أشهرها مسجد باريس الذي أنشأ عام (1930)، والجهة التي تمثل الجاليات هي (المجلس الأعلي لمسلمي فرنسا).
   وفي بلجيكا يبلغ عدد المسلمين أكثر من نصف مليون من بين (9) ملايين، أي أكثر من 5%، وتجربة المسلمين في بلجيكا تظل فريدة في طبيعتها، حيث تعترف الدولة بالإسلام منذ عام 1974م، وبالتالي دعمها للتعليم الإسلامي الذي يتلقاه أكثر من 30 ألف طالب مسلم بالمدارس الرسمية، ويتولى المعهد الإسلامي الأوروبي في العاصمة (بروكسل) تخريج معلمي اللغة العربية والتربية الإسلامية، وتنتشر المساجد في بعض مناطق بلجيكا، ويصل عددها إلى نحو 200 مسجد، من أهمها المركز الإسلامي في (بروكسل) الذي أسسه الملك فيصل (رحمه الله).
   وأوضح المؤلف أن الجالية الإسلامية في هولندا يزيد عددها عن نصف مليون من بين (15) مليونًا، ومعظم أفرادها من مسلمي المستعمرات الهولندية السابقة، أهمها: أندونيسيا وسورينام ومناطق من أفريقيا، وتزايد عددها بفعل هجرات العمال المسلمين من تركيا وماليزيا والمغرب الغربي، وتكفل الحكومة الهولندية حرية الأديان، وتسمح بالمدارس الإسلامية، وبإنشاء المساجد التي تصل إلى أكثر من (200) مسجد، بني معظمها المسلمون من أصل مغربي.
الفصل الثاني
(7) مراكز إسلامية :
   ويتناول هذا الفصل أحوال الجاليات الإسلامية في وسط أوروبا، ويصل عددها إلى ثلاثة ملايين من بين 155 مليونًا، أي بنسبة 2% تقريبًا، يتركز معظمهم في ألمانيا، التي يوجد بها سبعة مراكز إسلامية كبيرة في مدن: (آخن ـ ميونيخ ـ دولسدورف ـ بون ـ برلين ـ فرانكفورت ـ كولونيا) فضلاً عن العديد من المؤسسات الإسلامية الأخرى، مثل: المركز الدولي للعلوم الإسلامية، وأكاديمية الملك فهد في بون.
   ثم تحدث المؤلف عن أنشطة الجاليات الإسلامية في باقي دول هذا القطاع، ففي سويسرا (75 ألف مسلم من بين 6.5 مليون نسمة) يوجد من المنظمات الإسلامية: المعهد الإسلامي في جنيف، ومعهد الطلاب المسلمين في (ليون)، والجمعية الإسلامية في (زيورخ)، وفي النمسا أكثر من 100 ألف مسلم من بين (7.5) مليون، نصفهم تقريبًا من أصل يوغوسلافي، إلى جانب العرب والأتراك، وتعترف النمسا في دستورها بالإسلام، وتسمح بتدريسه في مدارسها لأبناء المسلمين، وتوجد العديد من الجمعيات والمنظمات الإسلامية لخدمة أبناء الجالية، أما أسبانيا ـ الأندلس ـ فقد حكمها المسلمون ثمانية قرون، وأهم مدنها لا زالت بأسمائها العربية، مثل: مدريد (مجريط) وقرطبة وسرقسطة وأشبيلية وغرناطة، ويضم القاموس الأسباني نحو (6) آلاف كلمة عربية.
   ويلاحظ المؤلف أن نسبة المسلمين في كل من المجر وتشيكوسلوفاكيا وبولندا ضئيلة للغاية، مما يثير الدهشة؛ لأن كثيرًا من هذه المناطق ظلت تحت الحكم الإسلامي العثماني لفترات طويلة، ولكن بمجرد زوال هذا الحكم تعرض المسلمون للاضطهاد، مما اضطرهم إلى الهجرة.
الفصل الثالث
الحكم الإسلامي لأوروبا :
   وتطرق المؤلف في هذا الفصل إلى الجاليات الإسلامية في جنوب أوروبا، فايطاليا وصلها الإسلام مبكرًا في القرن التاسع الميلادي من خلال جزيرة صقلية، وسردينيا، ونابولي، بل والعاصمة روما، وفي العصر الحديث من خلال هجرة الطلبة والعمال المسلمين خاصة من بلدان المغرب، ويصل في بعض الأحيان عدد الجالية إلى مليون أو أكثر، ويتعدد النشاط الإسلامي في ايطاليا عبر العديد من المؤسسات الإسلامية وأهمها المركز الإسلامي الكبير في روما.
   أما اليونان فقد خضعت للحكم الإسلامي مبكرًا حين فتح الأندلسيون جزيرة رودس، ثم خضعت بكاملها للحكم العثماني عدة قرون، وبعد زواله تناقص عدد المسلمين بفعل الهجرة هربًا من الاضطهاد ليصل إلى (150) ألفًا فقط، يتركزون في تراقيا الغربية ورودس، ومنطقة بحر إيجه، والعاصمة أثينا، وفي اليونان نحو (300) مسجد ومصلي، ونحو (300) مدرسة إسلامية، وترتبط أحوال مسلمي اليونان بمؤشر مدي تحسن العلاقات مع تركيا، وبالنسبة للبرتغال فقد كانت جزءًا من الأندلس، أي خضعت للحكم الإسلامي قرونًا عدة، ومع ذلك ونتيجة لطردهم علي مراحل تقلص عدد المسلمين إلى بضعة آلاف.
الفصل الرابع
    يذكر المؤلف في هذا الفصل أوضاع الجاليات الإسلامية في شرق وشمال أوروبا، وبدأ ببلغاريا التي حكمها المسلمون الأتراك لمدة ثلاثة قرون، وبعد استقلال بلغاريا عن الدولة العثمانية عام 1908م تراجع عدد المسلمين نتيجة عمليات الطرد والاضطهاد، ويصل عددهم الآن إلى ثلاثة ملايين وفقًا لإحصاء مفتي بلغاريا ـ من بين 9 ملايين نسمة ـ أي نحو الثلث، ومن مظاهر الاضطهاد أن بلغاريا كان بها نحو 1200 مسجد لم يبق منها سوي بضعة مساجد منها، كما لا يوجد سوي تنظيم شكلي للمسلمين، ولا توجد مدارس أو منظمات أو جمعيات إسلامية، وما حدث في بلغاريا تم في رومانيا التي خضعت هي الأخرى للحكم التتاري فالعثماني لمدة ستة قرون، ليتناقص عدد المسلمين حوالي ـ نتيجة الطرد والاضطهاد أيضًا ـ إلى (100) ألف فقط من بين (22) مليون نسمة.
   وأشار المؤلف إلى أن عدد المسلمين في السويد يصل إلى (150) ألفًا من بين (8) ملايين، وتعترف الدولة بالدين الإسلامي، والضرائب التي تُؤخذ من المسلمين توجه للجالية الإسلامية، ويوجد هناك المجلس الإسلامي السويدي الذي يضم ست منظمات إسلامية، والعديد من المراكز الإسلامية خاصة في العاصمة استكهولم، أما عن الجالية الإسلامية في كل من الدانمارك والنرويج وفنلندا فلا يكاد يتجاوز عددها (100) ألف في الدول الثلاث مجتمعة، والأخيرة تعترف بالدين الإسلامي منذ عام 1925م، وتتيح لأفراد الجالية ممارسة بعض الأنشطة الإسلامية.
الباب الثاني
العنصرية والتعليم والحجاب :
   ويأتي الباب الثاني والذي يمثل العمود الفقري للكتاب، حيث يتناول ـ عبر أربعة فصول ـ مشكلات الجاليات الإسلامية في أوروبا، ويوضح المؤلف في التمهيد لهذا الباب أن الظروف التي تعيش فيها الجاليات تتشابه إلى حد كبير مع وجود بعض الاختلافات والفروق الناتجة عن اختلاف وتفاوت المستويات المعيشية والثقافية والتعليمية لها في كل بلد.
الفصل الأول
    في هذا الفصل يرصد المؤلف أهم "المشكلات النابعة من المجتمعات الأوروبية" ويبدأها بـ"العنصرية والاضطهاد والتعصب"، مشيرًا إلى أنه بإلقاء نظرة فاحصة علي واقع المجتمع الأوروبي يتضح لكل ذي بصر وبصيرة أن العنصرية تطل برأسها "الأخطبوطي" في معظم البلدان الأوروبية، واستعرض العديد من النماذج والشواهد الصارخة علي العنصرية في بعضها، وخاصة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليونان وبلغاريا.. وغيرها.
   وانتقل إلى مشكلة النظام التعليمي والمناهج الدراسية الموجهة لأبناء الجاليات من قِبل وزارات التعليم في الدول الأوروبية، واستشهد بدراسة منهجية ـ شارك فيها فريق من الباحثين الألمان ـ علي الكتب الدينية المدرسية في ألمانيا وفرنسا وإنجلترا وهولندا وأسبانيا، وعدد آخر من الدول الأوروبية، وأثبتت الدراسة أن ثمة خلط وتشويه واضحين في الكتب، وبالتالي في عقلية التلاميذ، ومن ثم في العقلية الغربية ونظرتها للإسلام والمسلمين، حيث تصورهم المناهج باعتبارهم "برابرة" و"وحوشًا" و"سفاكي دماء".
   وأورد المؤلف ـ فيما يتعلق بالوجه الآخر لمشكلة التعليم ـ نماذج من تعنت الدول الأوروبية تجاه السماح بالتعليم الإسلامي لأبناء الجالية، سواء بإنشاء مدارس إسلامية، أو بتخصيص حصص للغة العربية والتربية الإسلامية بالمدارس الحكومية، وأبرز مظاهر هذا التعنّت تظهر بصورة فجّة في هذه الدول الثلاث: بريطانيا وفرنسا وألمانيا.
   ومن المشكلات التي عرض لها المؤلف والتي تطفو على الساحة الأوروبية من آن لآخر: المضايقات التي تتعرض لها الفتيات أو النساء المسلمات بسبب الحجاب، سواء في العمل أو التعليم.. أو حتى في الشارع، علي الرغم من أنه ليس هناك أي اعتراض علي الطاقية اليهودية المميزة (اليامولكا)، أو تعليق الصلبان على الصدور، ويتساءل: لماذا هذه الازدواجية في المواقف، وعدم الاحترام لمشاعر المسلمين وخاصة في فرنسا؟.
   ويؤكد المؤلف أن مشكلة عدم الاعتراف بالدين الإسلامي من أخطر المشكلات النابعة من المجتمعات الأوروبية، وهي منبع الكثير من المشكلات التي تتعرض لها الجاليات الإسلامية، حيث يترتب عليها: الحرمان من حق تعليم الدين الإسلامي، ومن تلقي الدعم المادي الحكومي من الضرائب التي يدفعها المسلمون، فضلاً عن عرقلة بناء المساجد، وعدم السماح للعاملين المسلمين بالصلاة أثناء العمل أو الحصول على اجازات في الأعياد الإسلامية، وعلى الرغم من أن الإسلام يمثل الدين الثاني في معظم الدول الأوروبية فلا يتم الاعتراف به، وتناقضًا مع ذلك يعترف باليهودية رغم أن عدد اليهود يقل كثيرًا عن عدد المسلمين.
الفصل الثاني
الزواج المختلط :
    ويتناول هذا الفصل المشكلات النابعة من واقع الجاليات ذاتها، ومن أخطرها ـ كما يرى المؤلف ـ الزواج المختلط ـ نظرًا لما ينجم عنه من مشاكل اجتماعية معقدة، حيث يحدث في فترات قدوم الشباب المسلم للعمل أو الدراسة، وللحصول علي تسهيلات للعمل أو الإقامة أو التجنس، فضلاً عن إشباع الرغبة الجنسية يتزوج من المرأة الأوروبية التي لا تتحلى ـ غالبًا ـ بالقيم الخلقية الأساسية التي تؤهلها لرعاية بيتها وزوجها، وأن تكون أمينة علي أولاده وتربيتهم، ونتيجة لاختلاف القيم والثقافة التي نهلت كل منهما، كثيرًا ما تنتهي هذه الزيجات بنزاعات شديدة يذهب ضحيتها الأطفال.
   وفي هذه الحالة فإن القوانين في الدول الأوروبية تكون في صف الزوجة الأوروبية، فتحصل على حضانة الأطفال، وفي ذلك خطورة علي عقيدتهم، فضلاً عن المسائل المادية التي تكون علي عاتق الزوج المسلم.
   ويحذر المؤلف ـ في نفس السياق ـ من مشكلة أخطر، وهي زواج فتيات مسلمات برجال أوروبيين غير مسلمين لنفس الغرض ـ الحصول علي العمل أو الإقامة أو التجنّس ـ وتدخل الفتاة بذلك مرحلة حرجة ومضطربة من حياتها، ولكن بعد أن تكون قد خسرت عفتها، وكرامتها، وفارقت أهلها ووطنها، وخالفت أمرًا شرعيا بتحريم زواج المسلمة بغير المسلم.
   ومن المشكلات التي تلقي بظلالها علي واقع الجاليات، مشكلة بعض عمليات العنف المنسوبة إلى إسلاميين في المجتمعات الأوروبية، وانعكاساتها السلبية على الجاليات وأبرزها: تزايد النزعة العنصرية ضدهم واتساعها في المجتمع الأوروبي، وصياغة نموذج نمطي ثابت يقرن الإرهاب بالإسلام والمسلمين والعرب، وتشديد قيود ورقابة الشرطة على المقيمين من المسلمين إقامة قانونية، ومضاعفة أنشطة الطرد لمن لا يحمل بطاقة إقامة، أو لم يستكمل أوراقها، ناهيك عن التشدد البالغ في منح تأشيرات الدخول!!
   ويشير المؤلف إلى مشكلات أخرى نابعة من واقع الجاليات، من أهمها: الجهل بالأحكام الشرعية، وضعف الصلة بالإسلام، وتدني مستوي المعيشة بينهم.
الفصل الثالث
جهود مضادة للعمل الإسلامي :
    يستعرض المؤلف في هذا الفصل مشكلات الجهود المضادة للعمل الإسلامي في أوروبا، ويأتي في طليعتها "التشويه الإعلامي والثقافي"، فالمتتبع لوسائل الإعلام الغربية يلاحظ مؤشرات خطيرة للعداء المتزايد ضد الإسلام والمسلمين والجاليات الإسلامية هناك، وأصبحت صحف ومجلات كبري في أوروبا تبرز عناوين رئيسة في غاية الإثارة والاستفزاز، وتحذر من قدوم خطر "الراية الخضراء ـ الإسلام" مثل: "الله يحتل العالم!!"، "هل يقبرنا الإسلام؟!"، "الوجه القبيح للإسلام!!"، "ظلال المآذن المتطاولة"، "أوروبا المسلمة!!"، "الإسلام يملأ الفراغ بعد انحسار الشيوعية"، "نيران جامحة من الجمهوريات الإسلامية"، "القرآن والكلاشينكوف"، وظهرت "حرب المصطلحات": (المتعصبون ـ الأصوليون ـ المتطرفون ـ الإرهابيون ـ الخطر الإسلامي ـ الأصولية الإسلامية ).
   وساق المؤلف العديد من الدلائل على هذا التشويه المتعمد من خلال الوسائل الإعلامية التالية: الصحف والمجلات ـ السينما والتليفزيون ـ الكتب والدراسات ـ تصريحات المسئولين الأوروبيين ـ وسائل أخرى.
   وينوه المؤلف إلى مشكلة "الاستشراق"، وينقل عن د. محمود حمدي زقزوق ـ وزير الأوقاف المصري الحالي ـ قوله: "الاستشراق ليس علمًا بأي مقياس علمي، وإنما هو عبارة عن أيديولوجية خاصة يراد من خلالها ترويج تصورات معينة عن الإسلام، بصرف النظر عما إذا كانت قائمة علي حقائق أو أوهام، والدارس لأعمال المستشرقين لا يحتاج إلى بذل جهد كبير ليري تعمدهم تزييف الحقائق واللجوء إلى منطق فاسد للوصول إلى نتائج تهدف في النهاية لرسم صورة مشوهة سقيمة عن الإسلام في نظر الغربيين، وإلى زلزلة عقيدة الإسلام وتمييعها في أعين المسلمين".. ويقول "رودنسون" وهو مستشرق منصف: لم ير المستشرقون في الشرق إلا ما كانوا يريدون رؤيته".
وصنف المؤلف المستشرقين إلى أنواع ثلاثة: نوع منصف معجب بالإسلام، ونوع حاقد متعسف للغاية لا يكف عن الطعن في الإسلام، ونوع محايد، وحدد دوافع الاستشراق في أنها: دينية ـ وليست علمية ـ واستعمارية، ولاحظ كثرة اليهود بين المستشرقين ودلالة ذلك دورهم في وضع ترجمات غير أمينة لمعاني القرآن الكريم.
طمس الهوية الإسلامية :
   ويعرج المؤلف إلى مشكلة "الازدواجية الفكرية" مشيرًا إلى أن الدوائر الثقافية الغربية تميل للعداء للثقافة الإسلامية بدليل احتضانها لأي رمز ثقافي يعلن تمرده علي الإسلام، أو يكتب قدحًا أو تشويهًا في تاريخه أو واقع أهله، أو حتى في نبي الإسلام وصحابته وزوجاته، أو الطعن في القرآن والسنة، فهذه الظاهرة تتفجر إعلاميا من آن لآخر من خلال شخصيات مفتعلة لجذب الأضواء، كما حدث مع "سلمان رشدي" و"تسليمة نسرين" و"نصر أبو زيد"، وعلي العكس من ذلك تقوم الدوائر الغربية بترويع الغربيين الذين يكتبون عن الإسلام بموضوعية وإنصاف، كما حدث مع "آن ماري شيميل" و"مراد هوفمان"!!
   وتطرق المؤلف إلى ثلاث مشكلات أخرى تمثل جهودًا مضادة للعمل الإسلامي في أوروبا، فهناك مشكلة محاولة الدول الأوروبية "طمس الهوية الإسلامية" للجاليات وفرض الاندماج عليها في مجتمعاتها، وفرنسا هي النموذج الصارخ في هذا الصدد، وهناك مشكلة "التنصير"، حيث تبذل المؤسسات التنصيرية جهودًا ضخمة لتقويض العمل الإسلامي وفقًا لتخطيط تسانده إمكانات ضخمة، بجانب دعم ومباركة دول غرب أوروبا المسيحية، وتُعد الجاليات الإسلامية صيدًا سهلاً للمنصرين، نظرًا للظروف المعيشية التي تحياها، وساق المؤلف بعض الإحصائات عن النشاط التنصيري، ومخططات تنصير الأطفال والطلاب المسلمين، وهناك أيضًا مشكلة "المخططات اليهودية والقاديانية والبهائية" لمناهضة الجهود الدعوية الإسلامية، خاصة مع تمتع هذه الجهات الثلاث بالمال والنفوذ.
الفصل الرابع
قصور العمل الإسلامي :
    وأرجع المؤلف في هذا الفصل قصور العمل الإسلامي في أوروبا إلى مشكلات أربع: أولها ـ غياب التنسيق وبروز الشعوبية، حيث تتعدد المنظمات والجهات المسئولة عن الدعوة والعمل الإسلامي في أوروبا دون تعاون أو تنسيق فاعل فيما بينها، بل والأنكى من ذلك أن هذا التعدد ـ الذي كان ينبغي استثماره ـ أدي إلى الخلافات وبروز النعرات القومية والشعوبية، فكل جماعة تنتمي إلى بلد إسلامي ما تقيم منظماتها الإسلامية الخاصة بها، مما جعلها تأخذ شكلاً عنصريا، ونتج عن ذلك عدم وجود تنظيم عام يجمع هذه المؤسسات الإسلامية المتباينة ويشرف عليها، ويُعدُ ذلك من الأمور الضارة بوحدة الجالية الإسلامية.
   والمشكلة الثانية ـ وهي من إفرازات المشكلة السابقة ـ هي ضعف التمثيل السياسي: فقد أدي نقص التنظيم والتضامن وتوحيد الموقف بين صفوف الجالية إلى عدم وجود "هيئة" تمثلهم، وتخدم مصالحهم، وتتحدث باسمهم مع السلطات، وقد انعكس ذلك علي ضعف تمثيلهم السياسي في المجالس المحلية والنيابية، علي الرغم من أنهم يمثلون ـ من حيث العدد ـ الدين الثاني في أوروبا، وذلك علي عكس اليهود، فرغم قلة عددهم إلا أن لهم فاعلية ترجع إلى حُسن تنظيم أنفسهم.
التعليم والإعلام :
    أما ثالث المشكلات فهي "قصور الدعوة الإسلامية"، وأعاد المؤلف ذلك أساسًا إلى ضعف الإمكانات الماليةوالبشرية والفنية لأجهزة الدعوة الإسلامية في أوروبا، وينعكس هذا الضعف على نوعية القائمين بالدعوة في أوروبا وما يستخدمونه من وسائل وأسإلىب، ويرتبط بمسألة التمويل ضعف المساندة المالية من الدول العربية والإسلامية باستثناء دول قليلة، هذا فضلاً عن ضعف المساندة الفاعلة من حكومات هذه الدول على مستوى الدعم السياسي والدبلوماسي عن طريق وزارات خارجيتها وسفاراتها وقنصلياتها في أوروبا.
   وحدد المؤلف المشكلة الرابعة في "قصور التعليم والإعلام الإسلامي" : حيث يعاني التعليم الإسلامي من النقص الشديد في الكادر المدرب المتخصص، كما أن البرامج المطبقة مأخوذة في غالبها من المناهج التعليمية المطبقة في البلدان الإسلامية، ولا شك أن هناك اختلافًا في الظروف النفسية والتربوية والاجتماعية يجب مراعاته، كما يعاني الواقع الإسلامي في أوروبا من ضعف الإعلام الإسلامي أو فشله، ويعزو المؤلف ذلك إلى أن القائمين عليه لم يتفرغوا له، أو كانوا واقعين تحت سيطرة قوى سياسية، أو يخدمون مصالحهم فقط، فضلاً عن ضعف الموارد المادية والبشرية.
الباب الثالث
الوجه الآخر للمشكلات :
   ويقدم المؤلف في هذا الباب ـ عبر أربعة فصول ـ تصوراته لبعض الحلول لمشكلات الجاليات الإسلامية في أوروبا، فيقول في التمهيد لهذا الباب: إن الاعتراف بالمشكلة أولاً ثم تشخيص أعراضها بدقة وموضوعية هما بداية الطريق نحو العلاج والحل، فالحلول هي الوجه الآخر للمشكلات، ولا شك أن معالجة ما يكتنف علاقة الجاليات الإسلامية بالمجتمع الأوروبي من توتر يتطلب اهتمامًا خاصًا من الطرفين معًا، ولا شك أن مهمة إعادة بناء صيغة جديدة لتلك العلاقات على أساس من فهم كل منهما للآخر، والاحترام المتبادل بينهما، ثم التعاون المشترك، لا تتحقق إلا ببذل جهود مدروسة وجادة وعملية من قبل الجانبين.
الفصل الأول
الدعوة والدعاة: الإعداد ـ المنهج ـ الأسلوب
    في هذا الفصل أشار المؤلف إلى أن مشكلات الدعوة الإسلامية تتمثل في غياب الخطاب الإسلامي المناسب للعقلية الأوروبية، وذلك راجع إلى التركيبة الاجتماعية المختلفة للبلدان الأوروبية، بمعني أن الحُجَّة ووسيلة الدعوة تختلف من مجتمع إلى آخر، وساق ـ في هذا الصدد ـ جملة مقترحات يمكن أن تفيد في مجال النهوض بالدعوة الإسلامية في مقدمتها: إعداد الداعية المناسب لهذه المجتمعات، كما أنه لابد من إعداد داعية لغير المسلمين، وأن يراعي كل منهما فقه الأولويات، والفتاوى المعاصرة، وفقه الواقع، فالقضية الفقهية تحتاج إلى دراية وفهم لطبيعة مجتمع الاغتراب.
   ودعا المؤلف إلى تحرير ترجمات أمينة وخإلىة من الأخطاء والإسرائيليات ومطاعن وسموم المستشرقين لمعاني القرآن الكريم، مشيرًا إلى أن تاريخ الاستشراق في الطعن في الإسلام يجعلنا ننظر إلى أعمال المستشرقين في مجال العلوم الإسلامية ـ خاصة ترجمات معاني القرآن ـ نظرة شك وريبة.
الفصل الثاني
الفضائيات العربية :
   واستعرض المؤلف في هذا الفصل المرسوم بـ "نحو خطة لتطوير الإعلام والتعليم الإسلامي" قواعد التحرك الإعلامي علي الساحة الأوروبية، وشروط نجاحه، مشيرًا إلى ضرورة تفنيد الدعاية المضادة للإسلام، باعتماد مبدأ الدعاية "الهجومية" وليس "الدفاعية"، وإيجاد جسور من التعاون الفعَّال مع المؤسسات الإعلامية والتعليمية والثقافية وقادة الفكر الأوروبي، وتأهيل الكوادر الإعلامية من أبناء الجاليات، وترجمة ونشر أعمال المفكرين الغربيين المنصفة للإسلام إلى اللغات الأوروبية، مثل: "كارلايل" و"هنري دي كاستري" و"اللورد هيدلي" و"تولوستوي" و"هونكه" و"جوته" و"أرنولد توينبي"... إلخ.
   وأبدي المؤلف دهشته إزاء موقف المحطات الفضائية العربية التي لا تبث إلا ما يسمي بالترفيه من غناء وأفلام ومسلسلات سخيفة و"رقص!!"، حتي لكأن كل هذه المحطات نسخة واحدة مكررة، عمادها كلها "التجهيل" والاستهتار بعقل المتلقي العربي والمسلم، ودعا الدول والمنظمات الإسلامية إلى استغلال البث الفضائي لتقديم برامج تعبر عن الصورة الحقيقية للإسلام، وتصحح المفاهيم التي ما فتئ الغرب يروّج لها.
وأكد فيما يتعلق بالتعليم الإسلامي أنه لا زال بحاجة إلى مزيد من الاهتمام والرعاية والتطوير، والأخذ بعوامل النجاح والتمكين، ومن أهمها: إيجاد دعامة مإلىة ثابتة لهذا الهدف من خلال نظام الوقف، مع الاهتمام بربط الجاليات بلغتهم العربية، بل ونشرها بين الأوروبيين أنفسهم باعتبارها وعاء الثقافة الإسلامية، وساق ثلة مقترحات في هذا الصدد.
الفصل الثالث
تنظيم إسلامي عام :
   وفي هذا الفصل دعا المؤلف إلى "دعم جهود التنسيق والتكافل في أوساط الجاليات" من خلال إيجاد تنظيم إسلامي عام يشرف علي جميع الأنشطة الإسلامية بالقارة الأوروبية، بحيث يكون تنظيمًا هرمياً في شكل هيئة تنضوي المؤسسات الإسلامية الأخرى تحت لوائها، وتمثل قمة هذا التنظيم الهرمي الذي يتفرّع إلى تنظيمات تمثل قطاعات على مستوى الوحدات السياسية الأوروبية (غرب أوروبا ـ شرق أوروبا ـ وسط، شمال، جنوب)، ثم تخضع لهذه التنظيمات ـ الممثلة للقطاعات الجغرافية المختلفة ـ المنظمات الإسلامية بمختلف الدول الأوروبية التي تُمثَّل بتنظيم إسلامي واحد لكل دولة أوروبية على حدة، ومن إيجابيات الوحدة وتنسيق المواقف بين الجاليات الإسلامية أن تحشد أصواتها لانتخاب شخصيات إسلامية تمثلها في المجالس التشريعية الأوروبية، مما قد يسهم في الاعتراف بالدين الإسلامي الذي يدعم الوجود الإسلامي.
الفصل الرابع
الحوار والتفاهم :
   وفي مستهل هذا الفصل الأخير ضرب المؤلف العديد من الأمثلة والنماذج على المؤتمرات والندوات الحوارية ـ في السنوات الأخيرة ـ التي كان موضوعها: الإسلام والغرب ـ أوروبا ـ المسيحية، مشيرًا ـ من خلال أمثلة أخرى ـ إلى سبق الإسلام في الدعوة إلى الحوار، الذي يتعين بداية تحديد دوافعه، وأهدافه، ووسائله، وأن تحكمه المبادئ التالية: الصداقة لا العداء ـ التفهم لا الجهل، الانفتاح لا الانغلاق ـ التعاون لا المجابهة، ولكي ينجح الحوار والتفاهم مع الآخر لابد من تضافر كافة الجهود لتصحيح صورة الإسلام والمسلمين في أذهان الأوروبيين، وذكر خطة عمل شاملة لتحقيق ذلك.
وفي الخاتمة نوه المؤلف إلى أن الوجود الإسلامي في أوروبا أصبح حقيقة لا مراء فيها، وأنه وُجد ليبقى ويستمر، ووُجد لينشر وينتصر بعون الله تعإلى، لذلك لابد اليوم من التواصل، فقهًا وواقعًا ومستقبلاً مع هذه الحقيقة، والتأصيل لها بشكل علمي مدروس، وإعداد الوسائل الكفيلة بتحقيقها.

الكتاب : الجاليات الإسلامية في أوروبا: المنافذ ـ المشكلات ـ الحلول
المؤلف: خالد محمد الأصور
الناشر: دار الاعتصام، 1998م
عدد الصفحات: 320 صفحة ـ قطع كبير




مواد ذات الصله



تصويت

الحياة الطيبة بالإيمان واطمئنان القلوب بالذكر والقرآن. ترى ما هو سبب القلق والاضطراب والحيرة التي يعيشها بعض الناس؟

  • ضعف الإيمان واليقين
  • عدم القناعة والرضا بما قسم الله
  • قلة ذكر الله
  • كل ما سبق