التاريخ والتراجم

البداية والنهاية

إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي

دار عالم الكتب

سنة النشر: 1424هـ / 2003م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرون جزءا

الكتب » البداية والنهاية » السنة الثانية من الهجرة » كتاب المغازي » غزوة بدر العظمى » فصل في بعث قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم

مسألة: الجزء الخامس
[ ص: 201 ] فصل في بعث قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أسراهم

قال ابن إسحاق : وكان في الأسارى أبو وداعة بن ضبيرة السهمي ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن له بمكة ابنا كيسا تاجرا ذا مال ، وكأنكم به قد جاء في طلب فداء أبيه . فلما قالت قريش : لا تعجلوا بفداء أسراكم ، لا يأرب عليكم محمد وأصحابه . قال المطلب بن أبي وداعة - وهو الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم عنى - : صدقتم ، لا تعجلوا وانسل من الليل ، وقدم المدينة ، فأخذ أباه بأربعة آلاف درهم فانطلق به .

قلت : وكان هذا أول أسير فدي ، ثم بعثت قريش في فداء أسراهم ، فقدم مكرز بن حفص بن الأخيف في فداء سهيل بن عمرو ، وكان الذي أسره مالك بن الدخشم ، أخو بني سالم بن عوف ، فقال في ذلك :


أسرت سهيلا فلا أبتغي أسيرا به من جميع الأمم     وخندف تعلم أن الفتى
فتاها سهيل إذا يظلم [ ص: 202 ]     ضربت بذي الشفر حتى انثنى
وأكرهت نفسي على ذي العلم

قال ابن إسحاق : وكان سهيل رجلا أعلم من شفته السفلى .

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن عمرو بن عطاء أخو بني عامر بن لؤي ، أن عمر بن الخطاب قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : دعني أنزع ثنيتي سهيل بن عمرو يدلع لسانه ، فلا يقوم عليك خطيبا في موطن أبدا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا أمثل به فيمثل الله بي وإن كنت نبيا .

قلت : وهذا حديث مرسل بل معضل .

قال ابن إسحاق : وقد بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعمر في هذا : إنه عسى أن يقوم مقاما لا تذمه .

قلت : وهذا هو المقام الذي قامه سهيل بمكة ، حين مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد من ارتد من العرب ، ونجم النفاق بالمدينة وغيرها ، فقام بمكة فخطب الناس ، وثبتهم على الدين الحنيف ، كما سيأتي في موضعه .

قال ابن إسحاق : فلما قاولهم فيه مكرز وانتهى إلى رضائهم قالوا : [ ص: 203 ] هات الذي لنا . قال : اجعلوا رجلي مكان رجله وخلوا سبيله ، حتى يبعث إليكم بفدائه . فخلوا سبيل سهيل وحبسوا مكرزا عندهم . وأنشد له ابن إسحاق في ذلك شعرا أنكره ابن هشام . فالله أعلم .

قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر قال : وكان في الأسارى عمرو بن أبي سفيان صخر بن حرب . قال ابن إسحاق : وكانت أمه بنت عقبة بن أبي معيط . قال ابن هشام : بل كانت أمه أخت أبي معيط . قال ابن هشام : وكان الذي أسره علي بن أبي طالب .

قال ابن إسحاق : وحدثني عبد الله بن أبي بكر قال : فقيل لأبي سفيان : افد عمرا ابنك . قال أيجمع علي دمي ومالي ؟ قتلوا حنظلة وأفدي عمرا ؟ ! دعوه في أيديهم يمسكوه ما بدا لهم . قال : فبينما هو كذلك محبوس بالمدينة ، إذ خرج سعد بن النعمان بن أكال ، أخو بني عمرو بن عوف ، ثم أحد بني معاوية معتمرا ، ومعه مرية له ، وكان شيخا مسلما في غنم له بالنقيع ، فخرج من هنالك معتمرا ، ولا يخشى الذي صنع به ، ولم يظن أنه يحبس بمكة ، إنما جاء معتمرا ، وقد كان عهد قريشا لا يعرضون لأحد جاء حاجا أو [ ص: 204 ] معتمرا إلا بخير ، فعدا عليه أبو سفيان بن حرب بمكة ، فحبسه بابنه عمرو ، وقال في ذلك :


أرهط ابن أكال أجيبوا دعاءه     تعاقدتم لا تسلموا السيد الكهلا
فإن بني عمرو لئام أذلة     لئن لم يفكوا عن أسيرهم الكبلا

قال : فأجابه حسان بن ثابت يقول :

لو كان سعد يوم مكة مطلقا     لأكثر فيكم قبل أن يؤسر القتلا
بعضب حسام أو بصفراء نبعة     تحن إذا ما أنبضت تحفز النبلا

قال : ومشى بنو عمرو بن عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه خبره ، وسألوه أن يعطيهم عمرو بن أبي سفيان فيفكوا به صاحبهم ، فأعطاهم النبي فبعثوا به إلى أبي سفيان ، فخلى سبيل سعد .

قال ابن إسحاق : وقد كان في الأسارى أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن أمية ، ختن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزوج ابنته زينب . قال [ ص: 205 ] ابن هشام : وكان الذي أسره خراش بن الصمة أحد بني حرام . قال ابن إسحاق : وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة وتجارة ، وكانت أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد ، وكانت خديجة هي التي سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يزوجه بابنتها زينب ، وكان لا يخالفها ، وذلك قبل الوحي ، وكان عليه السلام ، قد زوج ابنته رقية أو أم كلثوم من عتبة بن أبي لهب ، فلما جاء الوحي قال أبو لهب : اشغلوا محمدا بنفسه . وأمر ابنه عتبة فطلق ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل الدخول ، فتزوجها عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، ومشوا إلى أبي العاص فقالوا له : فارق صاحبتك ونحن نزوجك بأي امرأة من قريش شئت . قال : لا والله إذا ، لا أفارق صاحبتي ، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش . وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يثني عليه في صهره ، فيما بلغني .

قلت : الحديث بذلك في الثناء عليه في صهره ثابت في الصحيح كما سيأتي .

قال ابن إسحاق : وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل بمكة ولا يحرم ، مغلوبا على أمره ، وكان الإسلام قد فرق بين زينب ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبي العاص ، وكان لا يقدر على أن يفرق بينهما . [ ص: 206 ]

قلت : إنما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية ، سنة ست من الهجرة ، كما سيأتي بيانه ، إن شاء الله تعالى .

قال ابن إسحاق : حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه ، عن عائشة قالت : لما بعث أهل مكة في فداء أسراهم ، بعثت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في فداء أبي العاص بمال ، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها . قالت : فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لها رقة شديدة ، وقال : إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها ، وتردوا عليها الذي لها ، فافعلوا ، قالوا نعم يا رسول الله . فأطلقوه وردوا عليها الذي لها

قال ابن إسحاق : وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخذ عليه أن يخلي سبيل زينب . يعني أن تهاجر إلى المدينة ، فوفى أبو العاص بذلك ، كما سيأتي . وقد ذكر ذلك ابن إسحاق هاهنا فأخرناه ، لأنه أنسب . والله أعلم . وقد تقدم ذكر افتداء العباس بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم نفسه وعقيلا ونوفلا ابني أخويه بمائة أوقية من الذهب .

قال ابن إسحاق : فكان ممن سمي لنا ممن من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأسارى بغير فداء ، من بني أمية أبو العاص بن الربيع ، ومن بني مخزوم المطلب [ ص: 207 ] بن حنطب بن الحارث بن عبيد بن عمر بن مخزوم ، أسره بعض بني الحارث بن الخزرج فترك في أيديهم حتى خلوا سبيله ، فلحق بقومه .

وقال ابن هشام : كان الذي أسره أبو أيوب خالد بن زيد .

قال ابن إسحاق : وصيفي بن أبي رفاعة بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم ، ترك في أيدي أصحابه ، فأخذوا عليه ليبعثن لهم بفدائه ، فخلوا سبيله ، ولم يف لهم ، فقال حسان بن ثابت في ذلك :


وما كان صيفي ليوفي أمانة     قفا ثعلب أعيا ببعض الموارد

قال ابن إسحاق : وأبو عزة عمرو بن عبد الله بن عثمان بن أهيب بن حذافة بن جمح ، كان محتاجا ذا بنات ، قال : يا رسول الله ، لقد عرفت ما لي من مال ، وإني لذو حاجة وذو عيال ، فامنن علي . فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخذ عليه أن لا يظاهر عليه أحدا ، فقال أبو عزة يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك [ ص: 208 ]


من مبلغ عني الرسول محمدا     بأنك حق والمليك حميد
وأنت امرؤ تدعو إلى الحق والهدى     عليك من الله العظيم شهيد
وأنت امرؤ بوئت فينا مباءة     لها درجات سهلة وصعود
فإنك من حاربته لمحارب     شقي ومن سالمته لسعيد
ولكن إذا ذكرت بدرا وأهله     تأوب ما بي حسرة وقعود

قلت : ثم إن أبا عزة هذا نقض ما كان عاهد الرسول عليه ، ولعب المشركون بعقله فرجع إليهم ، فلما كان يوم أحد أسر أيضا ، فسأل من النبي صلى الله عليه وسلم أن يمن عليه أيضا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لا أدعك تمسح عارضيك وتقول : خدعت محمدا مرتين . ثم أمر به ، فضربت عنقه . كما سيأتي في غزوة أحد .

ويقال : إن فيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين . وهذا من الأمثال التي لم تسمع إلا منه ، عليه الصلاة والسلام .

قال ابن إسحاق : وحدثني محمد بن جعفر بن الزبير ، عن عروة بن الزبير قال : جلس عمير بن وهب الجمحي مع صفوان بن أمية في الحجر ، بعد مصاب أهل بدر بيسير ، وكان عمير بن وهب شيطانا من شياطين قريش ، وممن [ ص: 209 ] كان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ويلقون منه عناء وهو بمكة ، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر . قال ابن هشام : والذي أسره رفاعة بن رافع ، أحد بني زريق .

قال ابن إسحاق : فحدثني محمد بن جعفر ، عن عروة قال : فذكر أصحاب القليب ومصابهم ، فقال صفوان : والله إن في العيش بعدهم خير . قال له عمير : صدقت والله ، أما والله لولا دين علي ليس عندي قضاؤه ، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي ، لركبت إلى محمد حتى أقتله ، فإن لي فيهم علة ، ابني أسير في أيديهم . قال : فاغتنمها صفوان بن أمية ، فقال : علي دينك ، أنا أقضيه عنك ، وعيالك مع عيالي أواسيهم ما بقوا ، لا يسعني شيء ويعجز عنهم . فقال له عمير : فاكتم علي شأني وشأنك . قال : سأفعل . قال : ثم أمر عمير بسيفه فشحذ له وسم ، ثم انطلق حتى قدم المدينة ، فبينما عمر بن الخطاب في نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر ، ويذكرون ما أكرمهم الله به ، وما أراهم من عدوهم ، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب ، وقد أناخ على باب المسجد متوشحا السيف ، فقال : هذا الكلب عدو الله عمير بن وهب ، ما جاء إلا لشر ، وهو الذي حرش بيننا ، وحزرنا للقوم [ ص: 210 ] يوم بدر . ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : يا نبي الله ، هذا عدو الله عمير بن وهب ، قد جاء متوشحا سيفه . قال : فأدخله علي . قال : فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها ، وقال لمن كان معه من الأنصار : ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاجلسوا عنده ، واحذروا عليه من هذا الخبيث ، فإنه غير مأمون . ثم دخل به على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما رآه رسول الله وعمر آخذ بحمالة سيفه في عنقه . قال : أرسله يا عمر ، ادن يا عمير . فدنا ثم قال : أنعموا صباحا . وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم ، فقال رسول الله قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير ، بالسلام تحية أهل الجنة . قال : أما والله يا محمد إن كنت بها لحديث عهد . قال : فما جاء بك يا عمير ؟ قال : جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم ، فأحسنوا فيه . قال : فما بال السيف في عنقك ؟ قال : قبحها الله من سيوف ، وهل أغنت شيئا ؟ " قال : اصدقني ، ما الذي جئت له ؟ " قال : ما جئت إلا لذلك . قال : بل قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر ، فذكرتما أصحاب القليب من قريش ، ثم قلت : لولا دين علي وعيال عندي لخرجت حتى أقتل محمدا . فتحمل لك صفوان بن أمية بدينك وعيالك ، على أن تقتلني له ، والله حائل بينك وبين ذلك . فقال عمير : أشهد أنك رسول الله ، قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خبر السماء ، وما ينزل عليك من الوحي ، وهذا [ ص: 211 ] أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان ، فوالله إني لأعلم ما أتاك به إلا الله ، فالحمد لله الذي هداني للإسلام ، وساقني هذا المساق . ثم شهد شهادة الحق ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فقهوا أخاكم في دينه ، وعلموه القرآن ، وأطلقوا أسيره . ففعلوا . ثم قال : يا رسول الله ، إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله ، شديد الأذى لمن كان على دين الله ، وأنا أحب أن تأذن لي فأقدم مكة ، فأدعوهم إلى الله وإلى رسوله وإلى الإسلام ، لعل الله يهديهم ، وإلا آذيتهم في دينهم كما كنت أوذي أصحابك في دينهم . فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بمكة ، وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب يقول : أبشروا بوقعة تأتيكم الآن في أيام ، تنسيكم وقعة بدر . وكان صفوان يسأل عنه الركبان ، حتى قدم راكب فأخبره عن إسلامه ، فحلف أن لا يكلمه أبدا ، ولا ينفعه بنفع أبدا . قال ابن إسحاق : فلما قدم عمير مكة ، أقام بها يدعو إلى الإسلام ، ويؤذي من خالفه أذى شديدا ، فأسلم على يديه ناس كثير . قال ابن إسحاق : وعمير بن وهب ، أو الحارث بن هشام ، هو الذي رأى عدو الله إبليس ، حين نكص على عقبيه يوم بدر ، وفر هاربا ، وقال إني بريء منكم ، إني أرى ما لا ترون . وكان إبليس يومئذ في صورة سراقة بن مالك بن جعشم أمير مدلج

السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة