التاريخ والتراجم

الكامل في التاريخ

عز الدين أبو الحسن علي المعروف بابن الأثير

دار الكتاب العربي

سنة النشر: 1417هـ / 1997م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: عشرة أجزاء

الكتب » الكامل في التاريخ » ثم دخلت سنة أربع وثلاثين

مسألة: الجزء الثاني
ذكر الخبر عن ذلك وعن يوم الجرعة

قد ذكرنا خبر المسيرين من الكوفة ومقامهم عند عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، ووفد سعيد بن العاص إلى عثمان سنة إحدى عشرة من خلافة عثمان ، وكان سعيد قد ولى قبل مخرجه إلى عثمان بسنة وبعض أخرى الأشعث بن قيس أذربيجان ، وسعيد بن قيس الري ، والنسير العجلي همذان ، والسائب بن الأقرع أصبهان ، ومالك بن حبيب ماه ، وحكيم بن سلام الحزامي الموصل ، وجرير بن عبد الله قرقيسيا ، وسلمان بن ربيعة الباب ، وجعل القعقاع بن عمرو على الحرب ، وعلى حلوان عتيبة بن النهاس ، وخلت الكوفة من الرؤساء . فخرج يزيد بن قيس وهو يريد خلع عثمان ، ومعه الذين كان ابن السوداء يكاتبهم ، فأخذه القعقاع بن عمرو فقال : إنما نستعفي من سعيد . فقال : أما هذا فنعم ، فتركه وكاتب يزيد المسيرين في القدوم عليه ، فسار الأشتر والذين عند عبد الرحمن بن خالد ، فسبقهم الأشتر ، فلم يفجأ الناس يوم الجمعة إلا والأشتر على باب المسجد يقول : جئتكم من عند أمير المؤمنين عثمان وتركت سعيدا يريده على نقصان نسائكم على مائة درهم ، ورد أولي البلاء منكم إلى ألفين ، ويزعم أن فيئكم بستان قريش . فاستخف الناس وجعل أهل الرأي ينهونهم فلا يسمع منهم .

[ ص: 520 ] فخرج يزيد وأمر مناديا ينادي : من شاء أن يلحق بيزيد لرد سعيد فليفعل ، فبقي أشراف الناس وحلماؤهم في المسجد . وعمرو بن حريث يومئذ خليفة سعيد ، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وأمرهم بالاجتماع والطاعة ، فقال له القعقاع : أترد السيل عن أدراجه ؟ هيهات لا والله لا يسكن الغوغاء إلا المشرفية ، ويوشك أن تنتضى ويعجون عجيج العدان ، ويتمنون ما هم فيه اليوم فلا يرده الله عليهم أبدا ، فاصبر . قال : أصبر . وتحول إلى منزله ، وخرج يزيد بن قيس فنزل الجرعة ، وهي قريب من القادسية ، ومعه الأشتر ، فوصل إليهم سعيد بن العاص ، فقالوا : لا حاجة لنا بك . قال : إنما كان يكفيكم أن تبعثوا إلى أمير المؤمنين رجلا وإلي رجلا ، وهل يخرج الألف لهم عقول إلى رجل واحد ؟ ثم انصرف عنهم ، وتحسوا بمولى له على بعير قد حسر فقال : والله ما كان ينبغي لسعيد أن يرجع . فقتله الأشتر . ومضى سعيد حتى قدم على عثمان ، فأخبره بما فعلوا وأنهم يريدون البدل وأنهم يختارون أبا موسى ، فجعل أبا موسى الأشعري أميرا ، وكتب إليهم :

أما بعد فقد أمرت عليكم من اخترتم وأعفيتكم من سعيد ، والله لأقرضنكم عرضي ولأبذلن لكم صبري ولأستصلحنكم بجهدي ، فلا تدعوا شيئا أحببتموه لا يعصى الله فيه إلا سألتموه ، ولا شيئا كرهتموه لا يعصى الله فيه إلا ما استعفيتم منه ، أنزل فيه عندما أحببتم حتى لا يكون لكم على الله حجة ، ولنصبرن كما أمرنا حتى تبلغوا ما تريدون . ورجع من الأمراء من قرب من الكوفة ، فرجع جرير من قرقيسيا ، وعتيبة بن النهاس من حلوان ، وخطبهم أبو موسى وأمرهم بلزوم الجماعة ، ( وطاعة عثمان ) ، فأجابوا إلى ذلك وقالوا : صل بنا فقال : لا إلا على السمع والطاعة لعثمان . قالوا : نعم . فصلى بهم وأتاه ولايته فوليهم .

وقيل : سبب يوم الجرعة أنه كان قد اجتمع ناس من المسلمين ، فتذاكروا أعمال عثمان فأجمع رأيهم ، فأرسلوا إليه عامر بن عبد الله التميمي ثم العنبري ، وهو الذي [ ص: 521 ] يدعى عامر بن عبد القيس ، فأتاه فدخل عليه فقال له : إن ناسا من المسلمين اجتمعوا ونظروا في أعمالك ، فوجدوك قد ركبت أمورا عظاما ، فاتق الله وتب إليه . فقال عثمان : انظروا إلى هذا فإن الناس يزعمون أنه قارئ ، ثم هو يجيء يكلمني في المحقرات ، ووالله ما يدري أين الله ! فقال عامر : بلى والله إني لأدري أن الله لبالمرصاد !

فأرسل عثمان إلى معاوية وعبد الله بن سعد وإلى سعيد بن العاص وعمرو بن العاص وعبد الله بن عامر فجمعهم فشاورهم وقال لهم : إن لكل امرئ وزراء ونصحاء ، وإنكم وزرائي ونصحائي وأهل ثقتي ، وقد صنع الناس ما قد رأيتم وطلبوا إلي أن أعزل عمالي ، وأن أرجع عن جميع ما يكرهون إلى ما يحبون ، فاجتهدوا رأيكم . فقال له ابن عامر : أرى لك يا أمير المؤمنين أن تشغلهم بالجهاد عنك حتى يذلوا لك ولا يكون همة أحدهم إلا في نفسه وما هو فيه من دبر دابته وقمل فروته . وقال سعيد : احسم عنك الداء فاقطع عنك الذي تخاف ، إن لكل قوم قاعدة متى تهلك يتفرقوا ولا يجتمع لهم أمر . فقال عثمان : إن هذا هو الرأي لولا ما فيه . وقال معاوية : أشير عليك أن تأمر أمراء الأجناد فيكفيك كل رجل منهم ما قبله وأكفيك أنا أهل الشام . وقال عبد الله بن سعد : إن الناس أهل طمع ، فأعطهم من هذا المال تعطف عليك قلوبهم . ثم قام عمرو بن العاص فقال : يا أمير المؤمنين إنك قد ركبت الناس بمثل بني أمية ، فقلت وقالوا وزغت وزاغوا ، فاعتدل أو اعتزل ، فإن أبيت فاعتزم عزما واقدم قدما . فقال له عثمان : ما لك قمل فروك ؟ أهذا الجد منك ؟ فسكت عمرو حتى تفرقوا فقال : والله يا أمير المؤمنين لأنت أكرم علي من ذلك ، ولكني علمت أن بالباب من يبلغ الناس قول كل رجل منا ، فأردت أن يبلغهم قولي فيثقوا بي ، فأقود إليك خيرا وأدفع عنك شرا .

فرد عثمان عماله إلى أعمالهم ، وأمرهم بتجهيز الناس في البعوث ، وعزم على تحريم أعطياتهم ليطيعوه ، ورد سعيدا إلى الكوفة ، فلقيه الناس من الجرعة وردوه ، كما سبق ذكره . قال أبو ثور الحداني : جلست إلى حذيفة ، وأبي مسعود الأنصاري بمسجد الكوفة يوم الجرعة ، فقال أبو مسعود : ما أرى أن ترد على عقبيها حتى يكون فيها دماء . فقال حذيفة : والله لتردن على عقبيها ولا يكون فيها محجمة دم ، وما أرى اليوم شيئا إلا وقد علمته والنبي - صلى الله عليه وسلم - حي . فرجع سعيد إلى عثمان ولم يسفك دم ، وجاء أبو موسى [ ص: 522 ] أميرا ، وأمر عثمان حذيفة بن اليمان أن يغزو الباب فسار نحوه .

السابق

|

| من 3

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة