أصول الفقه

مختصر شرح الروضة

نجم الدين أبو الربيع سليمان بن سعيد الطوسي

مؤسسة الرسالة

سنة النشر: 1407هـ / 1987م
رقم الطبعة: ---
عدد الأجزاء: ثلاثة أجزاء

مسألة: الجزء الأول
[ ص: 247 ]

الفصل الثالث

في أحكام التكليف

وهي خمسة كما سيأتي قسمتها . والحكم ، قيل : خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين بالاقتضاء أو التخيير . وقيل : أو الوضع . والأولى أن يقال : مقتضى خطاب الشرع ، فلا يرد قول المعتزلة : الخطاب قديم ، فكيف يعلل بالعلل الحادثة ؟ وأيضا فإن نظم قوله تعالى : أقيموا الصلاة ولا تقربوا الزنا ليس هو الحكم قطعا ، بل مقتضاه ، وهو وجوب الصلاة ، وتحريم الزنى عند استدعاء الشرع منا تنجيز التكليف .

الحاشية رقم: 1
أحكام التكليف

قوله : " الفصل الثالث في أحكام التكليف ، وهي خمسة ، كما سيأتي قسمتها " .

الأحكام : جمع حكم . قال الجوهري : الحكم مصدر قولك : حكم بينهم يحكم حكما ، إذا قضى . قلت : ومعناه في اللغة : المنع ، وإليه ترجع تراكيب مادة " ح ك م " ، أو أكثرها ، فمن ذلك قولك : حكمت الرجل تحكيما ، إذا منعته مما أراد ، وحكمت السفيه - بالتخفيف - وأحكمته ، إذا أخذت على يده .

أنشد الجوهري وغيره لجرير :


أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكم أن أغضبا

وسمي القاضي حاكما ، لمنعه الخصوم من التظالم . [ ص: 248 ]

أما بيان حقيقة الحكم في الاصطلاح ، فقد ذكرت بعد . وسميت هذه المعاني ، نحو : الوجوب والحظر وغيرهما أحكاما ، لأن معنى المنع موجود فيها ، إذ حقيقة الوجوب مركبة من استدعاء الفعل والمنع من الترك ، والحظر مركب من استدعاء الترك والمنع من الفعل .

أما الندب والكراهة ، فمعنى المنع فيهما موجود ، لكنه أضعف منه في الوجوب والحظر ، ولهذا ، أو نحوه ، اختلف في تناول التكليف لهما لعدم المشقة ، ووجه المنع فيهما .

أما الندب ، فهو ممنوع من تركه بالإضافة إلى طلب ثوابه المرتب عليه ، إذ ليس ثواب من ترك المندوبات كثواب من فعلها ، وحافظ عليها ، عملا بقوله تعالى : أم من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون [ الزمر : 9 ] ، وأمثال ذلك كثير وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعائشة - رضي الله عنها - : ثوابك على قدر ‏نصبك . والإجماع على هذا ، وهو من [ ص: 249 ] ضروريات الشريعة إلا ما ندر من إلحاق بعض القاصرين بالمجتهدين بحسب السابقة ، والسعادة اللاحقة ، ومع ذلك ، فلا بد من سبب ، أو شبهة سبب . فحينئذ نقول : العقل والشرع يمنعان من ترك المندوبات استصلاحا ونظرا ، لا عزما وجزما ، وإذا ثبت معنى المنع في فعل المندوب ، فافهم مثله في ترك المكروه ، لأنهما متقابلان وسيان في الوزن ، فكما يمنع المكلف المفطر من ترك السواك منعا غير جازم ، كذلك يمنع الصائم من السواك بعد الزوال عند القائلين به منعا غير جازم ، لأن ترك السواك للأول مكروه ، وللثاني مندوب ، فبالنظر إلى وجود مطلق معنى المنع في الندب والكراهة ، لحقا بالوجوب والحظر ، في تناول التكليف لهما ، وبالنظر إلى [ أن ] المنع فيهما اصطلاح لا عزم وجزم قصرا ، فلم يتناولهما التكليف .

وإضافة الأحكام إلى التكليف ، في قولنا : " أحكام التكليف " هي من باب إضافة الشيء إلى سببه ، لأن التكليف سبب ثبوت الأحكام الخمسة المذكورة في حقنا ، لأنا لما ألزمنا من جهة الشرع ترك المعاصي ، وفعل الطاعات ، ثبت في حقنا تحريم المحظورات ، ووجوب الواجبات . [ ص: 250 ]

قوله : " والحكم ، قيل : خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين ، بالاقتضاء أو التخيير " .

أقول : إنما قلت : قيل ، لما ذكرت بعد ، من أن الأولى أن يقال : الحكم ، مقتضى خطاب الشرع ، والكلام الآن على التعريف المذكور ، وهو الذي ذكره أكثر المتأخرين . والكلام أولا في حقائق ألفاظه لغة ، ثم في بيان حقيقته واحترازاته .

أما حقائق ألفاظه ، فالحكم قد سبق بيانه لغة .


الحـــواشي 1  2  
السابق

|

| من 1

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة