شروح الحديث

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر

سنة النشر: 1429هـ / 2008م
رقم الطبعة: ط1
عدد الأجزاء: ثلاثة وثلاثون جزءا

مسألة: الجزء الحادي والثلاثون
6533 [ ص: 554 ] 6932 - حدثنا يحيى بن سليمان ، حدثني ابن وهب قال : حدثني عمر ، أن أباه حدثه ، عن عبد الله بن عمر - وذكر الحرورية - فقال قال النبي - صلى الله عليه وسلم - :" يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية " . [ فتح: 12 \ 283 ] .

الحاشية رقم: 1
تبويب البخاري هذا معناه أنه لا يجب قتل خارجي ولا غيره إلا بعد الإعذار عليه ، ودعوته إلى الحق وتبيين ما التبس عليه ، فإن أبى من الرجوع إلى الحق وجب قتاله بدليل الآية المذكورة توجب التأسي به تعالى فيمن وجب قتاله أن يبين له وجه الصواب ويدعى إليه .

ثم ساق البخاري في الباب أحاديث .

والتعليق الذي ذكره عن ابن عمر - رضي الله عنهما - ذكر مسلم في " صحيحه " معناه مسندا ، وفيه دليل على أنهم ليسوا بكفار ؛ لأن الكافر لا يتأول كتاب الله بل يرده ويكذب به .

وفي كتاب " التبصير " للإسفراييني : كان ( عبد الله بن عمرو ) وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وابن أبي أوفى وجابر وأنس بن مالك وأبو هريرة وعقبة بن عامر وأقرانهم يوصون إلى أخلافهم بأن لا يسلموا على القدرية ولا يعودوهم ، ولا يصلوا خلفهم ، ولا يصلوا عليهم إذا ماتوا .

الحديث الأول :

حديث سويد بن غفلة قال : قال علي - رضي الله عنه - : إذا حدثتكم عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( حديثا ) فوالله ، لأن أخر من السماء أحب إلي من أن أكذب

[ ص: 555 ] عليه ، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة ، وإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول " سيخرج قوم في آخر الزمان ، أحداث الأسنان ، سفهاء الأحلام ، يقولون من خير قول البرية ، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم ، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم ، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة "
.

أخرجه البخاري عن عمر بن حفص ، عن غياث ، ثنا أبي ، ثنا الأعمش ، ثنا خيثمة ، ثنا سويد به ، وساقه في باب علامات النبوة عن محمد بن كثير ، ثنا سفيان ، عن الأعمش به كما سلف هناك .

قال الإسماعيلي : خالف عيسى بن يونس فقال : عن الأعمش ، حدثني عمرو بن مرة ، عن خيثمة به . وهذا يبين أن في رواية البخاري انقطاعا ؛ لكنه صرح بالتحديث في خيثمة ، فلعله سمعه من خيثمة مرة ، ومرة من عمرو بن مرة ، ووقع للدارقطني أن عيسى بن يونس رواه كرواية الجماعة وهو عجيب .

قال الدارقطني : ورواه محمد بن طلحة عن الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن علي ، ووهم فيه والصواب خيثمة ، عن سويد ورواه أبو إسحاق السبيعي ، واختلف عنه فرواه ( إسرائيل ) عنه ، عن قيس بن سويد ، عن علي ووهم ، ورواه يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق فضبطه عن أبي إسحاق ، فقال عن أبي قيس الأودي ، عن سويد ، عن علي وهو الصواب .

[ ص: 556 ] ولفظ إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن أبي إسحاق ، عن أبي قيس عند البزار :" قتالهم حق على كل مسلم " .

وقال : رواه إسرائيل ، عن أبي إسحاق ، عن سويد ، عن علي ولم يدخل إسرائيل بين أبي إسحاق وسويد أحدا ، وقد روي هذا المتن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وجوه ، رواه أبو سعيد وأبو هريرة وسهل بن حنيف وأبو بكرة .

ثم ساق من حديث أبي بكرة من طريق عثمان الشحام ، عن مسلم بن أبي بكرة ، عن أبيه ( مرفوعا )" سيخرج من أمتي أقوام أحداث الأسنان يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ألا إذا لقيتموهم فاقتلوهم ثم إذا لقيتموهم فاقتلوهم " يعني : اقتلوهم ثم قال : هذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه عن أبي بكرة إلا بهذا الطريق ، وقد روي هذا الكلام عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ونحوه من وجوه بألفاظ مختلفة ، وفي حديث أبي بكرة شيء ليس في حديث غيره ، وفي لفظ : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان فقال :" إن هذا وأصحابه يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ، لا يتعلقون بشيء من الدين " فقلنا : ألا نقتله ؟ فقال :" لا " .

وفي " سنن أبي داود " بإسناد جيد من حديث عبيدة ، عن علي - رضي الله عنه - مرفوعا :" لولا أن تبطروا لنبأتكم ما وعد الله الذين يقتلونهم " .

[ ص: 557 ] وفي رواية :" يخرج قوم من أمتي يقرءون القرآن ليست قراءتكم إلى قراءتهم بشيء ، ولا صلاتكم إلى صلاتهم ، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء يقرءون القرآن يحسبون أنه لهم وهو عليهم لا تجاوز صلاتهم تراقيهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية ، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم لاتكلوا عن العمل " .

وفي " الشريعة " للآجري بإسناد جيد عن بكير ، عن بسر ، عن عبيد الله بن أبي رافع - مولى أم سلمة - عنه مرفوعا أنه - عليه السلام - وصف أناسا :" إني لأعرف صفتهم ، يقولون الحق لا يجاوز تراقيهم ( يمرقون ) هذا منهم - وأشار إلى حلقه - هم أبغض خلق الله إلى الله " .

الحديث الثاني :

حديث أبي سلمة وعطاء بن يسار ، أنهما أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية : أسمعت النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ . قال : لا أدري ما الحرورية ، سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول :" يخرج في هذه الأمة - ولم يقل منها - قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم ، يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم - أو - حلوقهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، فينظر الرامي ، إلى سهمه ، إلى نصله ، إلى رصافه ، فيتمارى في الفوقة هل علق بها من الدم شيء " وقد سلف .

[ ص: 558 ] وله :" يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ، والله لئن أنا أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " .

ولمسلم " سيماهم التحليق هم شر الخلق أو من شر الخلق يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق " .

وأخرجه أبو داود من حديث قتادة ، عن أبي سعيد الخدري وأنس بن مالك مرفوعا " سيكون في أمتي اختلاف وفرقة ، قوم يحسنون القول ويسيئون الفعل ، يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، يمرقون من الدين مروق السهم ، ثم لا يرجعون حتى يرتد على فوقه ، فهم شر الخلق ، والخليقة طوبى لمن قتلهم ، يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء ، من قاتلهم كان أولى بالله منهم " قالوا : يا رسول الله ، ما سيماهم ؟ قال :" التحليق " .

وفي حديث قتادة ، عن أنس - رضي الله عنه - نحوه :" سيماهم التحليق والتسبيد ، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم " .

قال أبو داود : التسبيد : استئصال الشعر .

ولابن ماجه :" يخرج قوم في آخر الزمان - أو في هذه الأمة " وفيه :" إذا لقيتموهم أو رأيتموهم فاقتلوهم " .

الحديث الثالث :

حديث ابن وهب : حدثني عمر أن أباه حدثه ، عن عبد الله بن عمر

[ ص: 559 ] - وذكر الحرورية - فقال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" يمرقون من الاسلام مروق السهم من الرمية " .

وعمر هذا هو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ، أخو أبي بكر وعاصم وزيد وواقد ، مدني عسقلاني اتفقا عليه ، ولابن ماجه عنه مرفوعا :" يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم ، كلما خرج قرن قطع " قال ابن عمر : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :" كلما خرج قرن قطع - أكثر من عشرين مرة - حتى يخرج في أعراضهم الدجال " .

وفي الباب أحاديث غير من عددنا :

أولا : حديث عمار أنه قال لسعد بن أبي وقاص : أما سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :" يخرج قوم من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية يقتلهم علي بن أبي طالب ؟" قال : نعم ، ثلاث مرات . أخرج أبو القاسم الطبراني في " الأوسط " .

وحديث جابر أخرجه مسلم وسلف في المغازي .

وحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعا :" يخرج في آخر الزمان قوم أحداث الأسنان " الحديث أخرجه ابن ماجه .

وحديث أبي ذر ورافع بن عمرو أخي الحكم الغفاري وابن عباس وأبي أمامة مرفوعا مثل ذلك ، وفي الأخير :" إنهم كلاب النار " ثلاثا ، للآجري مطولا .

[ ص: 560 ] وله عن عائشة - رضي الله عنها - بإسناد فيه جهالة ، وذكرت الخوارج : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول :" إنهم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي " .

ولابن ماجه من حديث عبد الله بن أبي أوفى مرفوعا :" الخوارج كلاب النار " وحديث أبي برزة أخرجه النسائي ، وفي أوله : فقام رجل أسود مطموم الشعر عليه ثوبان أبيضان ، وقال : يا محمد ما عدلت في القسمة . وفي إسناده شريك بن شهاب ، قال النسائي : ليس بالمشهور ، وأما ابن حبان فذكره في " ثقاته " .

وفي " الكامل " للمبرد من حديث عبد الله بن عمر :" وعلامتهم ذو الخويصرة " ، أو " ذو الخبيصرة " ، ويروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نظر إلى رجل ساجد إلى أن صلى فقال :" ألا رجل يقتله " فحسر أبو بكر عن ذراعيه وانتضى السيف وضمد نحوه ، ثم رجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : أأقتل رجلا يقول لا إله إلا الله ؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :" ألا رجل يفعل " ففعل عمر مثل ذلك ، فلما كان في الثالثة قصد له علي فلم يره ، فقال - عليه السلام -" لو قتل لكان أول فتنة أو آخرها " .

فصل :

كل من خرج على الإمام الحق الذي اتفقت الجماعة عليه يسمى خارجيا ، سواء كان في زمن الصحابة أو بعدهم ، كما نبه عليه الشهرستاني في " نحله " .

[ ص: 561 ] والحرورية : هم الذين قال فيهم الشارع " يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم " وهم المارقة الذين قال فيهم " سيخرج من ضئضئ هذا قوم يمرقون من الدين " إلى آخره ، وأولهم ذو الخويصرة وآخرهم ذو الثدية وخروجهم قسمان : بدعتهم في الإمامة إذ جوزوها في غير قريش وكل من ينصبونه برأيهم ، وهم أشد الناس قولا بالقياس ، وجوزوا ألا يكون في العالم إمام أصلا ، وإن احتيج إليهم فيجوز ولو عبدا ، وتخطيئهم عليا في التحكيم ، وزادوا إلى الكفر واللعن وطعنوا على عثمان للأحداث التي عدوها ، وطعنوا في أصحاب الجمل وصفين .

وقال الإسفرائيني في " تبصيره " : يزعمون أن عليا وعثمان وأصحاب الجمل وصفين والحكمين وكل من رضي بالحكمين كفروا كلهم ، وأن من أذنب ذنبا من المسلمين فهو كافر ويخلد في النار ، وهم عشرون فرقة .

وقال الآجري : لم يختلف العلماء قديما وحديثا أن الخوارج قوم سوء عصاة لله ولرسوله ، وهم قوم يتأولون القرآن على ما يهوون ، وهم الشراة الأرجاس الأنجاس .

وبإسنادنا إلى المبرد قال : جاء في الحديث أن عليا تلي بحضرته قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الآية [ الكهف : 103 ] . فقال علي - رضي الله عنه - أهل حروراء منهم ، ويروى عن أبي الجلد أنه نظر إلى نافع بن الأزرق وإلى توغله وتعمقه ، فقال : إني أجد لجهنم سبعة أبواب وأن أشدها حرا للخوارج فاحذر أن تكون منهم .

[ ص: 562 ] وقال الحسن بن أبي الحسن : دعاهم علي - رضي الله عنه - إلى دين الله : جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم الآية [ نوح : 7 ] فصار إليهم أبو الحسن فطحنهم طحنا .

وعند عبد الرزاق ، عن معمر ، عن أبيه أن رجالا سألوا ابن سيرين فقالوا : أتينا الحرورية زمان كذا وكذا ، فإذا هم لا يسألون عن شيء غير أنهم يقتلون من لقوا ، فقال ابن سيرين : ما علمت أن أحدا كان يتحرج من قتل هؤلاء .

فصل :

قام الإجماع على أن الخوارج إذا خرجوا على الإمام ( العدل ) وشقوا عصى المسلمين ونصبوا راية الخلاف أن قتالهم واجب ، وأن دماءهم هدر ، وأنه لا يتبع مهزومهم ولا يجهز على جريحهم .

قال مالك : فإن خيف منهم عودة أجهز على جريحهم وأتبع مدبرهم ، وإنما يقاتلون من أجل خروجهم على الجماعة ، والدليل على ذلك أنه - عليه السلام - إنما أذن في قتلهم عند خروجهم لقوله :" يخرج في آخر الزمان قوم سفهاء الأحلام " ثم قال :" فأينما لقيتموهم فاقتلوهم " فبان بذلك أنه لا سبيل للإمام على من كان يعتقد الخروج عليه أو يظهر ذلك بقول ما لم ينصب حربا أو يخف سبيلا ، وهذا إجماع من سلف الأمة وخلفها ، كما نبه عليه الطبري ، وقد سئل الحسن

[ ص: 563 ] البصري
عن رجل رأى رأي الخوارج فقال : العمل أملك بالناس من الرأي ، إنما يجازي الله تعالى الناس بالأعمال .

قال الطبري : وهذا الذي قاله الحسن إنما هو فيما كان من رأي لا يخرج صاحبه من ملة الإسلام ، فأما الذي يخرج فإن الله تعالى أخبر أنه يحبط عمل صاحبه .

فصل :

أسلفنا سبب تسميتهم خوارج ، وأن سببه قوله - عليه السلام - :" سيخرج في آخر الزمان " وأول خارج خرج أهل النهروان ، خرجوا على علي - رضي الله عنه - حين حكم الحكمين بينه وبين معاوية ، وقالوا : لا حكم إلا لله ، فقال علي - رضي الله عنه - كلمة حق أريد بها باطل . وشهدوا على علي بالكفر ، وقالوا له : شككت في أمرك ، وخلعت نفسك من الخلافة ، وتركت قتال أهل البغي ، فإن تبت رجعنا إليك ، فناشدهم الله ، واحتج عليهم ابن عباس بأن الله تعالى حكم في الصيد وفي رجل وامرأة ، والحكم في الله فلم يبعها ، ورد مدبرها أفضل ، فقال ابن الكواء : ( قتلهم ) الله ، إنهم قوم خصمون .

فصل :

وأما قوله :" يمرقون من الدين " فالمروق عند أهل اللغة : الخروج ، يقال : مرق من الدين مروقا خرج ببدعة أو ضلالة ، ومرق السهم من الغرض : إذا أصابه ثم نفذه ، ومنه قيل للمرق : مرق لخروجه ، ومرق السهم من الرمية ، أي : المرمية ، فعيلة بمعنى مفعولة ، وجمهور

[ ص: 564 ] العلماء على أنهم في خروجهم ذلك غير خارجين من جملة المؤمنين ؛ لقوله - عليه السلام - :" فيتمارى في الفوق " لأن التماري : الشك ، وإذا وقع الشك في ذلك لم يقطع عليهم بالخروج الكلي من الإسلام ؛ لأن من ثبت له عقد الإسلام بيقين لم يحكم له بالخروج منه إلا بيقين ، وقد روي عن علي من غير طريق أنه سئل عن الخوارج من أهل النهروان أكفار هم ؟ قال : من الكفر فروا . قيل : فمنافقون ؟ قال : المنافق لا يذكر الله إلا قليلا . قيل : فما هم ؟ قال : قوم ضل سعيهم وعموا عن الحق ، بغوا علينا فقاتلناهم .

وروى وكيع عن مسعر ، عن عامر بن شقيق ، عن أبي وائل ، عن علي - رضي الله عنه - قال : لم نقاتل أهل النهروان على الشرك .

فصل :

وقول ابن عمر - رضي الله عنهما - : ( إنهم ( انطلقوا ) إلى آيات في الكفار فجعلوها في المؤمنين ) يدل أنهم ليسوا كفارا كما أسلفناه .

قال أشهب : وقعت الفتنة والصحابة متوافرون ، فلم يروا على من قاتل على تأويل القرآن قصاصا في قتل ولا حد في وطء ، وبهذا قال مالك وابن القاسم . وخالف ذلك أصبغ ، فقال : يقتل من قتل إن طلب ذلك وليه كاللص يتوب قبل أن يقدر عليه . وهو مخالف لما ذكرناه عن الصحابة ، وعن مالك وأصحابه .

[ ص: 565 ] فقال مالك : ما وجده أحد من ماله بعينه عندهم أخذه ، وهو قول الكوفيين والأوزاعي والشافعي ، وقد روي عن بعض أهل الكلام وأهل الحديث أن أهل البدع كفار ببدعهم ، وهو قول أحمد ، وأئمة الفتوى بالأمصار على خلاف هذا ، وروي عن مالك التكفير فيمن يقول بخلق القرآن ، فإن احتج من كفرهم بحديث أبي سعيد :" يخرج في هذه الأمة " ولم يقل : منها ، وهو دليل على أنهم ليسوا من جملة المؤمنين ، وقد تقدم :" إن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد " ، فيقال لهم : وقد روي في حديث أبي سعيد أنه - عليه السلام - قال :" يخرج من أمتي " وقد أسلفناه ، وساقه ابن بطال من حديث مجالد عن أبي الوداك عنه ، وحديث أبي ذر " إن بعدي من أمتي " وحديث ابن عباس " ليقرأن القرآن ناس من أمتي ثم يمرقون " ، وحديث عائشة :" هم شرار أمتي " وقوله :" قتل عاد " هو بالرفع على الأكثر ، أي : مثل قتلهم ، وروي بالفتح أي : على مثل قتلهم ، وقتلهم إنما كان على الكفر .

فصل :

روينا في كتاب أبي جعفر القابسي في المنام الذي رأى به سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه قلت : يا رسول الله ، الخبر الذي رواه كعب بن مالك وأبو أمامة وأنس أن أمتك تفترق على ثلاث وسبعين فرقة . قال : بلى ، ستفترق أمتي كل هذه الفرق ، وستدركهم رحمة الله وشفاعتي .

[ ص: 566 ] ثم إن الأصل الذي أصلوه بأن يرجع الابتداع إلى أربعة مذاهب : الخوارج والشيعة والاعتزال والإرجاء ، وكل واحد منهم على ثمانية عشر صنفا ، والابتداع كثير وكله داخل في : ( رحمة الله وشفاعتي ) .

قلت : فمن قال إن الله جسم ؟ فقال : إنه لم يرد بذلك تشبيها إنما أراد إثباتا . فقلت القدرية ؟ فقال : إنهم لا يريدون بذلك نفي القدرة إنما أرادوا انتساب المعصية إلى أنفسهم ، قلت : فالخوارج ؟ قال : هم قوم وقعوا في الظلمة وهؤلاء كلهم من صدق الله وصدقني فيما بلغت ، ويعادون أعداء الإسلام ، ويوالون أولياءه ، ويعلمون أن الله واحد وأني رسوله وأنهم مبعوثون بعد موتهم ، ويجزون بأعمالهم ، داخلون في رحمة الله وشفاعتي .

قلت : فحديث العلاء عن أبيه ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - :" ليذادن عن حوضي رجال ؟" . فقال : هم قوم من مؤلفة القلوب لما مت طابقوا المنافقين فشكوا وارتدوا ، وكانوا قبل الإسلام زنادقة ، فلما فارقتهم رجعوا إلى دينهم وليس لهؤلاء في رحمة الله ولا في شفاعتي نصيب .

فصل :

وأما أهل الأهواء الذين على الإسلام مثل الإباضية والقدرية وشبههما ممن هو على خلاف ما عليه جماعة المسلمين من البدع والتحريف بتأويل كتاب الله ، فإنهم يستتابون أظهروا ذلك أم أسروه ، فإن تابوا وإلا قتلوا ، وبذلك عمل عمر بن عبد العزيز ، ومن قتل منهم فميراثه لورثته ؛ لأنهم مسلمون ، وهذا إجماع وإنما قتلوا لرأيهم السوء .

[ ص: 567 ] وذكر ابن المنذر ، عن الشافعي أنه لا يستتاب القدري وذم الكلام ذما ( شديدا ) ، وقال ؛ لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الأهواء . وقال عبد الرحمن بن مهدي : لا أعرض أحدا من أهل الأهواء على السيف إلا الجهمية ؛ فإنهم يقولون قولا منكرا .

وسئل سحنون عن قول مالك في أهل الأهواء لا يصلى عليهم ، فقال : لا أرى ذلك ويصلى عليهم . ومن قال لا يصلى عليهم كفرهم بذنوبهم ، وإنما قاله مالك أدبا لهم ، قيل له : فيستتابون ، فإن تاب وإلا قتل له كما قال مالك ، قال : أما من كان بين أظهرنا فلا يقتل ، وإنما يضرب مرة بعد أخرى ويحبس وينهى الناس عن مجالسته والسلام عليه تأديبا له كما فعل عمر - رضي الله عنه - بصبيغ ، حكي عنه بعد أدبه ، ونهى الناس عنه ، فقد مضت السنة فيمن لم يتب من عمر ومضت فيمن تاب من أبي بكر ، قيل له : فهؤلاء الذين نصبوا الحرب وماتوا عن الجماعة وقتلهم الإمام هل يصلى عليهم ؟ قال : نعم ، وهم من المسلمين ، وليس بذنوبهم التي استوجبوا بها القتل ترك الصلاة عليهم ، ألا ترى أن المحصن الزاني والمحارب والقاتل عمدا قد وجب عليهم القتل ولا تترك الصلاة عليهم ، قيل له : فما تقول في الصلاة خلف أهل البدع ؟ قال : لا تعاد في وقت ولا بعده ، وبذلك يقول أصحاب مالك أشهب والمغيرة وغيرهما ، وإنما يعيد من صلى

[ ص: 568 ] خلف نصراني وهو مسلم ، فكما تجوز صلاته لنفسه كذلك تجوز لغيره إذا صلى خلفه ، بخلاف النصراني ، ومن يوجب الإعادة أبدا أنزله منزلة النصراني وركب قياس قول الإباضية والحرورية الذين يكفرون الناس بالذنوب ، وقد أسلفنا في كتاب الصلاة في باب : إمامة المفتون والمبتدع الاختلاف في الصلاة خلفهم .

فصل :

واختلفوا في ( نفوذ ) شهادتهم فردها مالك وأحمد وإسحاق .

قال أبو هريرة : القدرية نصارى هذه الأمة ومجوسها ، وقال ابن أبي ليلى والثوري والشافعي وأبو حنيفة : يجوز شهادة أهل الأهواء الخوارج والرافضة والقدرية والمرجئة إذا لم يستحل الشاهد منهم شهادة الزور .

قال الشافعي : لا أرد شهادة أحد بشيء من التأويل له وجه يحتمله ، إلا أن يكون منهم الرجل بائن المخالفة تباين العدو فأرده من جهة العداوة ، قال : وشهادة من يرى إنفاذ الوعيد خير من شهادة من يستخف بالذنوب .

وأما ابن المنذر فذكر ، عن شريك أنه لا تجوز شهادة أهل الأهواء وعدد من ذكرنا ، قال : وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور قال : وقال أبو عبيد : البدع والأهواء كلها نوع واحد في الضلال كما قال

[ ص: 569 ] ابن مسعود في حديثه :" كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار " فلا أرى لأحد منهم شهادة إذا ظهر فيها غلوه ، وميله عن السنة للآثار المتواترة ، ألا ترى إلى قول سعد في الخوارج فأولئك قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم وقال - عليه السلام - فيهم " يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية " ، وقال حذيفة : الذين يقولون الإيمان قول بلا عمل فلا حظ لهم في الإسلام ، وقال أبو حنيفة : كل من نسب إلى هوى يعرف بالمجانة والفسق فأرده للمجانة التي ظهرت فيه .

فصل :

وقول علي - رضي الله عنه - : ( فإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة ) .

قال ذلك في وقت قتاله للخوارج ، معناه : أن المعاريض جائزة على ما جاء عن ( عمر )- رضي الله عنه - أنه قال : في المعاريض مندوحة عن الكذب ، وليس في هذا جواز إباحة الكذب الذي هو خلاف الحق ؛ لأن ذلك منهي عنه في الكتاب والسنة ، وإنما رخص في الحرب وغيره في المعاريض فقط ؛ لأنه - عليه السلام - قال :" وإياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور والفجور يهدي إلى النار " ، وقد سلف في الصلح في باب ليس بالكاذب الذي يصلح بين الناس ، مذاهب العلماء فيما يجوز من الكذب وما لا يجوز ، وسلف شيء منه في باب الكذب في

[ ص: 570 ] الحرب والجهاد ، وشيء في باب المعاريض مندوحة عن الكذب في كتاب الأدب بما يقتضيه التبويب .

فصل :

ومعنى الحرب خدعة أي : ينقضي أمرها بخدعة واحدة ، ولغة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالفتح ، ويروى : بالضم وفيه الكسر أيضا .

وقوله : (" في آخر الزمان ") يعني : زمن الصحابة ، قاله ابن التين .

وقوله : (" أحداث الأسنان ") أي : شباب ، يقال : رجل حدث ، فإن ذكرت السن قلت : حديث السن ، وجمع حديث حداث ككريم وكرام .

قال ابن التين : ورويناه بضم الحاء وتشديد الدال .

وقوله : (" سفهاء الأحلام ") أي : عقولهم رديئة ، قال الداودي : ( ويقول ) أمثالهم سفهاء .

وقوله : (" يقولون من خير قول البرية ") ، أي : يحسنون القراءة ويحرفون في التأويل .

قال الجوهري : والحنجرة : الحلقوم ، وقال الداودي : هي في الحلق عند المذبح ، والمعنى : أنهم لما تأولوا القرآن على غير تأويله لم يرتفع إلى الله ولا أثابهم عليه ، إذ كانت أعمالهم لهم مخالفة لسفك دماء من حرم الله دمه وأخافهم سبيله ، ويشهد لهذا قوله تعالى إليه يصعد الكلم الطيب الآية [ فاطر : 10 ] ، فبان بهذا أن الكلم الطيب

[ ص: 571 ] إنما يصعد إلى الله إذا صحبه عمل صالح يرفعه ، ومتى لم يصحبه عمل لم يثب قائله ولا كان له في قوله غير العناء ، وهذا يدل على أن الإيمان : قول وعمل .

فصل :

الحرورية ، بفتح الحاء وضم الراء : منسوبون إلى قرية كانت أول مجتمعهم وتعاقدهم بها ، ومنها حكموا وهي تمد وتقصر ، والنصل : حديدة السهم ، والرصاف : العقب الذي فوق مدخل السهم ، كذا في ابن بطال .

وعبارة ابن التين : إنه العصب يشد فوق مدخل العقب ، ( وعبارة الأحداني ) : العقب الذي فوق الرعط ، والرعط : مدخل النصل في السهم ، وقال الداودي : إنه ما قارب الحديد من العود ، وقيل : هو الأنبوب ، وهو بضم الراء وكسرها .

قال ابن التين : رويناه بهما جميعا ، وقال ابن سيده في " مخصصه " أبو عبيد : واحده رصفة ، ابن السكيت : رصفته ، أرصفه رصفا ، وشددت عليه الرصاف ، أبو حنيفة : رصفه ورصفة ، والجمع رصف ورصاف وأرصاف ، وهي عقبة تشد على حمالة القوس العربية إلى عجسها .

وفي " المحكم " : هو العقب الذي يلوى فوق رعظ السهم إذا انكسر ، وأما قول الشاعر :

( معابل ) غير أرصاف ولكن

[ ص: 572 ] لمصدر ، وجمع رصفة على رصف كشجرة وشجر ، ثم جمع رصف علي أرصاف كأشجار ، وأراد ظهار ريش أسود وهي الرصافة ، وجمعها رصاف ، والأرصفة والرصفة ، وأرى أبا حنيفة جعل الرصاف واحدا ، وفي " الجامع " : الواحد رصافة .

فصل :

والفوق من السهم : موضع الوتر من السهم ، وهما فوقان ، قال في " المخصص " : وجمعه أفواق وفوق ، وفوقة بكسر الفاء وفتحها مقلوب .

وعن أبي حنيفة : فوق وفوقة قال : وقيل : إن الفوق جمع فوقة ، والقفا جمع قفوة ، وقد يجعل الفوق واحدا والجمع أفواقا ، وقال في " المحكم " : أقفت السهم وأوقفته ووقفت به كلاهما على القلب : وضعته في الوتر للرمي به .

وفي " الجامع " : الفوق من السهم : رأس السهم حيث يقع الوتر .

فصل :

وقوله (" ويتمارى في الفوقة : هل علق بها من الدم شيء ؟") هو بكسر اللام من علق .

السابق

|

| من 22

1998-2018 ©Islamweb.net جميع حقوق النشر محفوظة